يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا لِجَهْلِ الْمُعَانِدِينَ، وَاسْتِعْجَالِهِمْ لِعَذَابِ اللَّهِ، اسْتِهْزَاءً وَتَعَنُّتًا وَتَعْجِيزًا:
﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ أَيْ: دَعَا دَاعٍ، وَاسْتَفْتَحَ مُسْتَفْتِحٌ ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ﴾ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ بِكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِهَذَا الْعَذَابِ الَّذِي اسْتَعْجَلَ بِهِ مَنِ اسْتَعْجَلَ، مِنْ مُتَمَرِّدِي الْمُشْرِكِينَ، أَحَدٌ يَدْفَعُهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، أَوْ يَرْفَعُهُ بَعْدَ نُزُولِهِ، وَهَذَا حِينَ دَعَا النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
فَالْعَذَابُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ، فَلَوْ عَرَفُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَعَرَفُوا عَظَمَتَهُ، وَسَعَةَ سُلْطَانِهِ وَكَمَالَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَمَا اسْتَعْجَلُوا وَلَاسْتَسْلَمُوا وَتَأَدَّبُوا، وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى مِنْ عَظَمَتِهِ مَا يُضَادُّ أَقْوَالَهُمُ الْقَبِيحَةَ فَقَالَ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: ذُو الْعُلُوِّ وَالْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، وَالتَّدْبِيرِ لِسَائِرِ الْخَلْقِ، الَّذِي تَعْرُجُ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِمَا دَبَّرَهَا عَلَى تَدْبِيرِهِ، وَتَعْرُجُ إِلَيْهِ الرُّوحُ، وَهَذَا اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْأَرْوَاحَ كُلَّهَا، بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْوَفَاةِ، فَأَمَّا الْأَبْرَارُ فَتَعْرُجُ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَتُحَيِّي رَبَّهَا وَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَتَحْظَى بِقُرْبِهِ، وَتَبْتَهِجُ بِالدُّنُوِّ مِنْهُ، وَيَحْصُلُ لَهَا مِنْهُ الثَّنَاءُ وَالْإِكْرَامُ وَالْبِرُّ وَالْإِعْظَامُ.
وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْفُجَّارِ فَتَعْرُجُ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى السَّمَاءِ اسْتَأْذَنَتْ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهَا، وَأُعِيدَتْ إِلَى الْأَرْضِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسَافَةَ الَّتِي تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَالْأَرْوَاحُ وَأَنَّهَا تَعْرُجُ فِي يَوْمٍ بِمَا يَسَّرَ لَهَا مِنَ الْأَسْبَابِ، وَأَعَانَهَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّطَافَةِ وَالْخِفَّةِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الْمَسَافَةَ عَلَى السَّيْرِ الْمُعْتَادِ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، مِنَ ابْتِدَاءِ الْعُرُوجِ إِلَى وُصُولِهَا مَا حُدَّ لَهَا، وَمَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَهَذَا الْمُلْكُ الْعَظِيمُ، وَالْعَالَمُ الْكَبِيرُ، عُلْوِيُّهُ وَسُفْلِيُّهُ، جَمِيعُهُ قَدْ تَوَلَّى خَلْقَهُ وَتَدْبِيرَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، فَعَلِمَ أَحْوَالَهُمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، وَعَلِمَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ، وَأَوْصَلَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَبِرِّهِ وَرِزْقِهِ، مَا عَمَّهُمْ وَشَمِلَهُمْ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمَهُ الْقَدَرِيَّ، وَحُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ وَحُكْمَهُ الْجَزَائِيَّ.
فَبُؤْسًا لِأَقْوَامٍ جَهِلُوا عَظَمَتَهُ، وَلَمْ يَقْدُرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، فَاسْتَعْجَلُوا بِالْعَذَابِ عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيزِ وَالِامْتِحَانِ، وَسُبْحَانَ الْحَلِيمِ الَّذِي أَمْهَلَهُمْ وَمَا أَهْمَلَهُمْ، وَآذَوْهُ فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ وَعَافَاهُمْ وَرَزَقَهُمْ.
هَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَيَكُونُ هَذَا الْعُرُوجُ وَالصُّعُودُ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ السِّيَاقَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُظْهِرُ لِعِبَادِهِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، مَا هُوَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، مِمَّا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ عُرُوجِ الْأَمْلَاكِ وَالْأَرْوَاحِ صَاعِدَةً وَنَازِلَةً، بِالتَّدَابِيرِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالشُّئُونِ فِي الْخَلِيقَةِ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ طُولِهِ وَشِدَّتِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَفِّفُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أَيِ: اصْبِرْ عَلَى دَعْوَتِكَ لِقَوْمِكَ صَبْرًا جَمِيلًا لَا تَضَجُّرَ فِيهِ وَلَا مَلَلَ، بَلِ اسْتَمِرَّ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَادْعُ عِبَادَهُ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَلَا يَمْنَعْكَ عَنْهُمْ مَا تَرَى مِنْ عَدَمِ انْقِيَادِهِمْ، وَعَدَمِ رَغْبَتِهِمْ، فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى الْبَعْثِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ عَذَابُ السَّائِلِينَ بِالْعَذَابِ أَيْ: إِنَّ حَالَهُمْ حَالُ الْمُنْكِرِ لَهُ، أَوِ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ وَالسَّكْرَةُ، حَتَّى تَبَاعَدَ جَمِيعُ مَا أَمَامَهُ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَاللَّهُ يَرَاهُ قَرِيبًا، لِأَنَّهُ رَفِيقٌ حَلِيمٌ لَا يَعْجَلُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيبٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَهْوَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ، فَقَالَ: