1. السور
  2. سورة الأعلى

سورة الأعلى

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ﴿١﴾ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴿٥﴾ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴿٧﴾ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴿٨﴾ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴿٩﴾ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى ﴿١١﴾ ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿١٣﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ ﴿١٧﴾ إِنَّ هَٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴿١٩﴾

يَأْمُرُ تَعَالَى بِتَسْبِيحِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالْخُضُوعِ لِجَلَالِهِ، وَالِاسْتِكَانَةِ لِعَظَمَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ تَسْبِيحًا، يَلِيقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ تُذْكَرَ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى الْعَالِيَةُ عَلَى كُلِّ اسْمٍ بِمَعْنَاهَا الْحَسَنِ الْعَظِيمِ، وَتُذْكَرَ أَفْعَالُهُ الَّتِي مِنْهَا أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ فَسَوَّاهَا، أَيْ: أَتْقَنَهَا وَأَحْسَنَ خَلْقَهَا، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ تَقْدِيرًا، تَتْبَعُهُ جَمِيعُ الْمُقَدَّرَاتِ ﴿فَهَدَى﴾ إِلَى ذَلِكَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ.

وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ الْعَامَّةُ، الَّتِي مَضْمُونُهَا أَنَّهُ هَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ لِمَصْلَحَتِهِ، وَتُذْكَرُ فِيهَا نِعَمُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهَا: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أَيْ: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتَ بِهِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ وَالْعُشْبِ الْكَثِيرِ، فَرَتَعَ فِيهَا النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ اسْتَكْمَلَ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنَ الشَّبَابِ، أَلْوَى نَبَاتَهُ، وَصَوَّحَ عُشْبَهُ، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ أَيْ: أَسْوَدَ أَيْ: جَعَلَهُ هَشِيمًا رَمِيمًا، وَيَذْكُرُ فِيهَا نِعَمَهُ الدِّينِيَّةَ، وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ بِأَصْلِهَا وَمَنْشَئِهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَقَالَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ أَيْ: سَنَحْفَظُ مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ، وَنُوعِيهِ قَلْبَكَ، فَلَا تَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذِهِ بِشَارَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَنَّ اللَّهَ سَيُعَلِّمُهُ عِلْمًا لَا يَنْسَاهُ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ مِمَّا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ يُنْسِيَكَهُ لِمَصْلَحَةٍ بَالِغَةٍ، ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ أَيْ: فَلِذَلِكَ يُشَرِّعُ مَا أَرَادَ، وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ وَهَذِهِ أَيْضًا بِشَارَةٌ كَبِيرَةٌ، أَنَّ اللَّهَ يُيَسِّرُ رَسُولَهُ ﷺ لِلْيُسْرَى فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيَجْعَلُ شَرْعَهُ وَدِينَهُ يُسْرًا.

﴿فَذَكِّرْ﴾ بِشَرْعِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ: مَا دَامَتِ الذِّكْرَى مَقْبُولَةً، وَالْمَوْعِظَةُ مَسْمُوعَةً، سَوَاءٌ حَصَلَ مِنَ الذِّكْرَى جَمِيعُ الْمَقْصُودِ أَوْ بَعْضُهُ.

وَمَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرَى، بِأَنْ كَانَ التَّذْكِيرُ يَزِيدُ فِي الشَّرِّ، أَوْ يُنْقِصُ مِنَ الْخَيْرِ، لَمْ تَكُنِ الذِّكْرَى مَأْمُورًا بِهَا، بَلْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، فَالذِّكْرَى يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِيهَا قِسْمَيْنِ: مُنْتَفِعُونَ وَغَيْرُ مُنْتَفِعِينَ.

فَأَمَّا الْمُنْتَفِعُونَ، فَقَدْ ذَكَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِلْمَهُ بِأَنْ سَيُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ، تُوجِبُ لِلْعَبْدِ الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَعَاصِي وَالسَّعْيَ فِي الْخَيْرَاتِ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنْتَفِعِينَ، فَذَكَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ وَهِيَ النَّارُ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ أَيْ: يُعَذَّبُ عَذَابًا أَلِيمًا، مِنْ غَيْرِ رَاحَةٍ وَلَا اسْتِرَاحَةٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ أَيْ: قَدْ فَازَ وَرَبِحَ مَنْ طَهَّرَ نَفْسَهُ وَنَقَّاهَا مِنَ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أَيِ: اتَّصَفَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَانْصَبَغَ بِهِ قَلْبُهُ، فَأَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ، خُصُوصًا الصَّلَاةَ، الَّتِي هِيَ مِيزَانُ الْإِيمَانِ، فَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ قَوْلَهُ ﴿تَزَكَّى﴾ بِمَعْنَى أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، أَنَّهُ صَلَاةُ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي اللَّفْظِ وَبَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، فَلَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى وَحْدَهُ.

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: تُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَتَخْتَارُونَ نَعِيمَهَا الْمُنَغَّصَ الْمُكَدَّرَ الزَّائِلَ عَلَى الْآخِرَةِ.

﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا فِي كُلِّ وَصْفٍ مَطْلُوبٍ، وَأَبْقَى لِكَوْنِهَا دَارَ خُلْدٍ وَبَقَاءٍ وَصَفَاءٍ، وَالدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ، فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ لَا يَخْتَارُ الْأَرْدَأَ عَلَى الْأَجْوَدِ، وَلَا يَبِيعُ لَذَّةَ سَاعَةٍ، بِتَرْحَةِ الْأَبَدِ، فَحُبُّ الدُّنْيَا وَإِيثَارُهَا عَلَى الْآخِرَةِ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.

﴿إِنَّ هَذَا﴾ الْمَذْكُورَ لَكُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْمُبَارَكَةِ، مِنَ الْأَوَامِرِ الْحَسَنَةِ، وَالْأَخْبَارِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ اللَّذَيْنِ هُمَا أَشْرَفُ الْمُرْسَلِينَ، سِوَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَهَذِهِ أَوَامِرُ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ، لِكَوْنِهَا عَائِدَةً إِلَى مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَهِيَ مَصَالِحُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

الأعلى · ١–١٩