يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، فَأَخْبَرَ عَنْ دِينِهِ الَّذِي وَرَّثَهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ فَقَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِمْ:
﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أَيْ: مُبْغِضٌ لَهُ، مُجْتَنِبٌ مُعَادٍ لِأَهْلِهِ، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَإِنِّي أَتَوَلَّاهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَهْدِيَنِي لِلْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَكَمَا فَطَرَنِي وَدَبَّرَنِي بِمَا يُصْلِحُ بَدَنِي وَدُنْيَايَ، فَـ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ لِمَا يُصْلِحُ دِينِي وَآخِرَتِي.
﴿وَجَعَلَهَا﴾ أَيْ: هَذِهِ الْخَصْلَةَ الْحَمِيدَةَ، الَّتِي هِيَ أُمُّ الْخِصَالِ وَأَسَاسُهَا، وَهِيَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالتَّبَرِّي مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ.
﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أَيْ: ذُرِّيَّتِهِ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ إِلَيْهَا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ لِشُهْرَتِهَا عَنْهُ، وَتَوْصِيَتِهِ لِذُرِّيَّتِهِ، وَتَوْصِيَةِ بَعْضِ بَنِيهِ -كَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ- لِبَعْضٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
فَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَوْجُودَةً فِي ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى دَخَلَهُمُ التَّرَفُ وَالطُّغْيَانُ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ بِأَنْوَاعِ الشَّهَوَاتِ، حَتَّى صَارَتْ هِيَ غَايَتَهُمْ وَنِهَايَةَ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمْ تَزَلْ يَتَرَبَّى حُبُّهَا فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى صَارَتْ صِفَاتٍ رَاسِخَةً، وَعَقَائِدَ مُتَأَصِّلَةً. ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ وَلَا اشْتِبَاهَ. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: بَيِّنُ الرِّسَالَةِ، قَامَتْ أَدِلَّةُ رِسَالَتِهِ قِيَامًا بَاهِرًا، بِأَخْلَاقِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَبِمَا صَدَّقَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَبِنَفْسِ دَعْوَتِهِ ﷺ.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ الَّذِي يُوجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى دِينٍ وَمَعْقُولٍ أَنْ يَقْبَلَهُ وَيَنْقَادَ لَهُ. ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعَانَدَةِ وَالْمُشَاقَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ، بَلْ وَلَا جَحْدِهِ، فَلَمْ يَرْضَوْا حَتَّى قَدَحُوا بِهِ قَدْحًا شَنِيعًا، وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ السِّحْرِ الْبَاطِلِ، الَّذِي لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا أَخْبَثُ الْخَلْقِ وَأَعْظَمُهُمُ افْتِرَاءً، وَالَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، طُغْيَانُهُمْ بِمَا مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَآبَاءَهُمْ.
﴿وَقَالُوا﴾ مُقْتَرِحِينَ عَلَى اللَّهِ بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٍ عِنْدَهُمْ، مُبَجَّلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، أَوْ أَهْلِ الطَّائِفِ، كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُمْ عَظِيمٌ.
قَالَ اللَّهُ رَدًّا لِاقْتِرَاحِهِمْ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ أَيْ: أَهُمُ الْخُزَّانُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَبِيَدِهِمْ تَدْبِيرُهَا، فَيُعْطُونَ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ مَنْ يَشَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَهَا مِمَّنْ يَشَاءُونَ؟
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أَيْ: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْحَالُ أَنَّ رَحْمَةَ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيَا.
فَإِذَا كَانَتْ مَعَايِشُ الْعِبَادِ وَأَرْزَاقُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي يَقْسِمُهَا بَيْنَ عِبَادِهِ، فَيَبْسُطُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ، فَرَحْمَتُهُ الدِّينِيَّةُ، الَّتِي أَعْلَاهَا النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ تَكُونَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ اقْتِرَاحَهُمْ سَاقِطٌ لَاغٍ، وَأَنَّ التَّدْبِيرَ لِلْأُمُورِ كُلِّهَا، دِينِيِّهَا وَدُنْيَوِيِّهَا، بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ. هَذَا إِقْنَاعٌ لَهُمْ، مِنْ جِهَةِ غَلَطِهِمْ فِي الِاقْتِرَاحِ، الَّذِي لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ، إِنْ هُوَ إِلَّا ظُلْمٌ مِنْهُمْ وَرَدٌّ لِلْحَقِّ.
وَقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ لَوْ عَرَفُوا حَقَائِقَ الرِّجَالِ، وَالصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ عُلُوُّ قَدْرِ الرَّجُلِ، وَعِظَمُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، لَعَلِمُوا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﷺ، هُوَ أَعْظَمُ الرِّجَالِ قَدْرًا، وَأَعْلَاهُمْ فَخْرًا، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلًا وَأَغْزَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَجَلُّهُمْ رَأْيًا وَعَزْمًا وَحَزْمًا، وَأَكْمَلُهُمْ خُلُقًا، وَأَوْسَعُهُمْ رَحْمَةً، وَأَشَدُّهُمْ شَفَقَةً، وَأَهْدَاهُمْ وَأَتْقَاهُمْ.
وَهُوَ قُطْبُ دَائِرَةِ الْكَمَالِ، وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي أَوْصَافِ الرِّجَالِ، أَلَا وَهُوَ رَجُلُ الْعَالَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ، فَكَيْفَ يُفَضِّلُ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مَنْ لَمْ يَشَمَّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَمَالِهِ؟!، وَمِنْ جُرْمِهِ وَمُنْتَهَى حُمْقِهِ أَنْ جَعَلَ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ وَيَدْعُوهُ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ صَنَمًا، أَوْ شَجَرًا، أَوْ حَجَرًا، لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَلَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ، وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ، يَحْتَاجُ لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ، فَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ فِعْلِ السُّفَهَاءِ وَالْمَجَانِينِ؟
فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِثْلُ هَذَا عَظِيمًا؟ أَمْ كَيْفَ يُفَضَّلُ عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ ﷺ؟ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا يَعْقِلُونَ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَفْضِيلِ اللَّهِ بَعْضَ الْعِبَادِ عَلَى بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أَيْ: لِيُسَخِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فِي الْأَعْمَالِ وَالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ.
فَلَوْ تَسَاوَى النَّاسُ فِي الْغِنَى، وَلَمْ يَحْتَجْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِعْمَتَهُ الدِّينِيَّةَ خَيْرٌ مِنَ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾