هَذَا قَسَمٌ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْقُرْآنِ، فَأَقْسَمَ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ لِكُلِّ مَا يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أَيْ: كَثِيرَةِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَأَنْزَلَ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بِأَفْضَلِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ عَلَى أَفْضَلِ الْأَنَامِ، بِلُغَةِ الْعَرَبِ الْكِرَامِ لِيُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا عَمَّتْهُمُ الْجَهَالَةُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ فَيَسْتَضِيئُوا بِنُورِهِ وَيَقْتَبِسُوا مِنْ هُدَاهُ وَيَسِيرُوا وَرَاءَهُ فَيَحْصُلَ لَهُمُ الْخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ وَالْخَيْرُ الْأُخْرَوِيُّ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي تِلْكَ اللَّيْلِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أَيْ: يُفْصَلُ وَيُمَيَّزُ وَيُكْتَبُ كُلُّ أَمْرٍ قَدَرِيٍّ وَشَرْعِيٍّ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهَذِهِ الْكِتَابَةُ وَالْفُرْقَانُ، الَّذِي يَكُونُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَحَدُ الْكِتَابَاتِ الَّتِي تُكْتَبُ وَتُمَيَّزُ فَتُطَابِقُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ بِهِ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ وَآجَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَكَّلَ مَلَائِكَةً تَكْتُبُ مَا سَيَجْرِي عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ وَكَّلَهُمْ بَعْدَ وُجُودِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَكَّلَ بِهِ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَكْتُبُونَ وَيَحْفَظُونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يُقَدِّرُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ تَمَامِ عِلْمِهِ وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَإِتْقَانِ حِفْظِهِ وَاعْتِنَائِهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: هَذَا الْأَمْرُ الْحَكِيمُ أَمْرٌ صَادِرٌ مِنْ عِنْدِنَا. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لِلرُّسُلِ وَمُنْزِلِينَ لِلْكُتُبِ وَالرُّسُلُ تُبَلِّغُ أَوَامِرَ الْمُرْسِلِ وَتُخْبِرُ بِأَقْدَارِهِ، ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أَيْ: إِنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ الَّتِي أَفْضَلُهَا الْقُرْآنُ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ بِالْعِبَادِ، فَمَا رَحِمَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِرَحْمَةٍ أَجَلَّ مِنْ هِدَايَتِهِمْ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَكُلُّ خَيْرٍ يَنَالُونَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَسَبَبِهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أَيْ: يَسْمَعُ جَمِيعَ الْأَصْوَاتِ وَيَعْلَمُ جَمِيعَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَقَدْ عَلِمَ تَعَالَى ضَرُورَةَ الْعِبَادِ إِلَى رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ فَرَحِمَهُمْ بِذَلِكَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ فَلَهُ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَالْإِحْسَانُ.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أَيْ: خَالِقِ ذَلِكَ وَمُدَبِّرِهِ وَالْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِمَا شَاءَ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أَيْ: عَالِمِينَ بِذَلِكَ عِلْمًا مُفِيدًا لِلْيَقِينِ فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ لِلْمَخْلُوقَاتِ هُوَ إِلَهُهَا الْحَقُّ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا وَجْهُهُ، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَحْدَهُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَسَيَجْمَعُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ فَيَجْزِيكُمْ بِعَمَلِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ: رَبُّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُرَبِّيهِمْ بِالنِّعَمِ الدَّافِعُ عَنْهُمُ النِّقَمَ.
فَلَمَّا قَرَّرَ تَعَالَى رُبُوبِيَّتَهُ وَأُلُوهِيَّتَهُ بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ التَّامَّ وَيَدْفَعُ الشَّكَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرِينَ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ ﴿فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أَيْ: مُنْغَمِرُونَ فِي الشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ غَافِلُونَ عَمَّا خُلِقُوا لَهُ قَدِ اشْتَغَلُوا بِاللَّعِبِ الْبَاطِلِ، الَّذِي لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ إِلَّا الضَّرَرَ.
﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَيِ: انْتَظِرْ فِيهِمُ الْعَذَابَ فَإِنَّهُ قَدْ قَرُبَ وَآنَ أَوَانُهُ، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ﴾ أَيْ: يَعُمُّهُمْ ذَلِكَ الدُّخَانُ وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الدُّخَانِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ الدُّخَانُ الَّذِي يَغْشَى النَّاسَ وَيَعُمُّهُمْ حِينَ تَقْرُبُ النَّارُ مِنَ الْمُجْرِمِينَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهُمْ بِعَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي تَوَعُّدِ الْكُفَّارِ وَالتَّأَنِّي بِهِمْ وَتَرْهِيبِهِمْ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَعَذَابِهِ وَتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالِانْتِظَارِ بِمَنْ آذَاهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ وَهَذَا يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْكُفَّارِ حِينَ يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقَالُ: قَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الرُّجُوعِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا أَصَابَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الْإِيمَانِ وَاسْتَكْبَرُوا عَلَى الْحَقِّ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ﴾ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجُوعَ الْعَظِيمَ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَاتِ وَالْعِظَامَ وَصَارُوا يَرَوْنَ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ وَلَيْسَ بِهِ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ.
فَيَكُونُ -عَلَى هَذَا- قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبْصَارِهِمْ وَمَا يُشَاهِدُونَ وَلَيْسَ بِدُخَانٍ حَقِيقَةً.
وَلَمْ يَزَالُوا بِهَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى اسْتَرْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يَكْشِفَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَصْرِفُهُ عَنْكُمْ وَتَوَعُّدٌ لَهُمْ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالتَّكْذِيبِ وَإِخْبَارٌ بِوُقُوعِهِ فَوَقَعَ وَأَنَّ اللَّهَ سَيُعَاقِبُهُمْ بِالْبَطْشَةِ الْكُبْرَى، قَالُوا: وَهِيَ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ النَّاسِ وَيُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، وَالْقَوْلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِي الْآيَةِ احْتِمَالُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أَنَّ هَذَا مَا وَقَعَ لِقُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِذَا نُزِّلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لَمْ تَجِدْ فِي اللَّفْظِ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ
بَلْ تَجِدُهَا مُطَابِقَةً لَهُمَا أَتَمَّ الْمُطَابَقَةِ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي وَيَتَرَجَّحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ