1. السور
  2. سورة الجاثية

سورة الجاثية

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ﴿١﴾ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٥﴾ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٧﴾ يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٨﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٩﴾ مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠﴾ هَٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴿١١﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ وَأَنَّهُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ الْمَأْلُوهِ الْمَعْبُودِ لِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَانْفَرَدَ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ الْكَامِلَةُ وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ. ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْأُفُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنَ الدَّوَابِّ وَمَا أَوْدَعَ فِيهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يُحْيِي بِهِ اللَّهُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.

فَهَذِهِ كُلُّهَا آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ وَأَدِلَّةٌ وَاضِحَاتٌ عَلَى صِدْقِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَصِحَّةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ، وَدَالَّاتٌ أَيْضًا عَلَى مَا لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الْكَمَالِ وَعَلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.

ثُمَّ قَسَّمَ تَعَالَى النَّاسَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِآيَاتِهِ وَعَدَمِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

قِسْمٌ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيَتَفَكَّرُونَ بِهَا وَيَنْتَفِعُونَ فَيَرْتَفِعُونَ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِيمَانًا تَامًّا وَصَلَ بِهِمْ إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ، فَزَكَّى مِنْهُمُ الْعُقُولَ وَازْدَادَتْ بِهِ مَعَارِفُهُمْ وَأَلْبَابُهُمْ وَعُلُومُهُمْ.

وَقِسْمٌ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ سَمَاعًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهَا وَيَسْتَكْبِرُ، كَأَنَّهُ مَا سَمِعَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُزَكِّ قَلْبَهُ وَلَا طَهَّرَتْهُ بَلْ بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِهِ عَنْهَا ازْدَادَ طُغْيَانُهُ.

وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَيْلِ فَقَالَ:

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٍ فِي مَقَالِهِ أَثِيمٍ فِي فِعَالِهِ.

وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا وَأَنَّ ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ تَكْفِي فِي عُقُوبَتِهِمُ الْبَلِيغَةِ.

وَأَنَّهُ ﴿لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْأَمْوَالِ ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ فَخَذَلُوهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ لَوْ نَفَعُوا.

فَلَمَّا بَيَّنَ آيَاتِهِ الْقُرْآنِيَّةَ وَالْعِيَانِيَّةَ وَأَنَّ النَّاسَ فِيهَا عَلَى قِسْمَيْنِ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ أَنَّهُ هُدًى فَقَالَ: ﴿هَذَا هُدًى﴾ وَهَذَا وَصْفٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَفْعَالِهِ الْحَمِيدَةِ، وَيَهْدِي إِلَى مَعْرِفَةِ رُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَأَوْصَافِهِمْ، وَيَهْدِي إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَيَدْعُو إِلَيْهَا وَيُبَيِّنُ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيَهْدِي إِلَى بَيَانِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَيُبَيِّنُ الْجَزَاءَ الدُّنْيَوِيَّ وَالْأُخْرَوِيَّ، فَالْمُهْتَدُونَ اهْتَدَوْا بِهِ فَأَفْلَحُوا وَسَعِدُوا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الْوَاضِحَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا مَنِ اشْتَدَّ ظُلْمُهُ وَتَضَاعَفَ طُغْيَانُهُ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾

الجاثية · ١–١١
ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢﴾ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٣﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ بِتَسْخِيرِ الْبَحْرِ لِسَيْرِ الْمَرَاكِبِ وَالسُّفُنِ بِأَمْرِهِ وَتَيْسِيرِهِ، ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بِأَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّكُمْ إِذَا شَكَرْتُمُوهُ زَادَكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَثَابَكُمْ عَلَى شُكْرِكُمْ أَجْرًا جَزِيلًا.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أَيْ: مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَهَذَا شَامِلٌ لِأَجْرَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهِمَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ وَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَصْنَافِ الْأَشْجَارِ وَالثَّمَرَاتِ وَأَجْنَاسِ الْمَعَادِنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعَدٌّ لِمَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَمَصَالِحِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، فَهَذَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا غَايَةَ جُهْدِهِمْ فِي شُكْرِ نِعْمَتِهِ وَأَنْ تَتَغَلْغَلَ أَفْكَارُهُمْ فِي تَدَبُّرِ آيَاتِهِ وَحِكَمِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْقَهَا وَتَدْبِيرَهَا وَتَسْخِيرَهَا دَالٌّ عَلَى نُفُوذِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ وَبَدِيعِ الصَّنْعَةِ وَحُسْنِ الْخِلْقَةِ دَالٌّ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ السَّعَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكَثْرَةِ دَالٌّ عَلَى سَعَةِ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ التَّخْصِيصَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَشُمُولِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَبَدِيعِ لُطْفِهِ وَبِرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَهُ الْمَأْلُوهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ وَالذُّلُّ وَالْمَحَبَّةُ إِلَّا لَهُ وَأَنَّ رُسُلَهُ صَادِقُونَ فِيمَا جَاءُوا بِهِ، فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَاضِحَةٌ لَا تَقْبَلُ رَيْبًا وَلَا شَكًّا.

الجاثية · ١٢–١٣
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١٥﴾

يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذِيَّةِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أَيْ: لَا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ وَلَا يَخَافُونَ وَقَائِعَهُ فِي الْعَاصِينَ فَإِنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِي كُلَّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ يَجْزِيكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمْ وَصَفْحِكُمْ وَصَبْرِكُمْ، ثَوَابًا جَزِيلًا. وَهُمْ إِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ فَلَا يَحِلُّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ وَالْخِزْيِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾

الجاثية · ١٤–١٥
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿١٦﴾ وَءَاتَيْنَٰهُم بَيِّنَٰتٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٧﴾

أَيْ: وَلَقَدْ أَنْعَمْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعَمًا لَمْ تَحْصُلْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَآتَيْنَاهُمْ ﴿الْكِتَابَ﴾ أَيِ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿وَالْحُكْمَ﴾ بَيْنَ النَّاسِ ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا وَصَارَتِ النُّبُوَّةُ فِي ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَكْثَرُهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: عَلَى الْخَلْقِ بِهَذِهِ النِّعَمِ وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةُ فَإِنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُصُّ عَلَيْنَا مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَيَّزَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفَضَائِلَ الَّتِي فَاقَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ النُّعُوتِ قَدْ حَصَلَتْ كُلُّهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَزَادَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ فَضَائِلَ كَثِيرَةً فَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ شَرِيعَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ جُزْءٌ مِنْهَا، فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُهَيْمِنٌ عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ مُصَدِّقٌ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ.

﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ أَيْ: آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَالَاتٍ تُبَيِّنُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ﴿مِنَ الأَمْرِ﴾ الْقَدَرِيِّ الَّذِي أَوْصَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ.

وَتِلْكَ الْآيَاتُ هِيَ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي رَأَوْهَا عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهَذِهِ النِّعَمُ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ تَقْتَضِي الْحَالُ أَنْ يَقُومُوا بِهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُمْ، وَلَكِنِ انْعَكَسَ الْأَمْرُ فَعَامَلُوهَا بِعَكْسِ مَا يَجِبُ.

وَافْتَرَقُوا فِيمَا أُمِرُوا بِالِاجْتِمَاعِ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أَيِ: الْمُوجِبُ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْبَغْيُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالظُّلْمُ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُمَيِّزُ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْهَوَى أَوْ غَيْرُهُ.

الجاثية · ١٦–١٧
ثُمَّ جَعَلْنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿١٩﴾

أَيْ: ثُمَّ شَرَعْنَا لَكَ شَرِيعَةً كَامِلَةً تَدْعُو إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَتَنْهَى عَنْ كُلِّ شَرٍّ مِنْ أَمْرِنَا الشَّرْعِيِّ ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ فَإِنَّ فِي اتِّبَاعِهَا السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ وَالصَّلَاحَ وَالْفَلَاحَ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ تَكُونُ أَهْوِيَتُهُمْ غَيْرَ تَابِعَةٍ لِلْعِلْمِ وَلَا مَاشِيَةٍ خَلْفَهُ، وَهُمْ كُلُّ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هَوَاهُ وَإِرَادَتُهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَهْوَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.

﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أَيْ: لَا يَنْفَعُونَكَ عِنْدَ اللَّهِ فَيُحَصِّلُوا لَكَ الْخَيْرَ وَيَدْفَعُوا عَنْكَ الشَّرَّ إِنِ اتَّبَعْتَهُمْ عَلَى أَهْوَائِهِمْ، وَلَا تَصْلُحُ أَنْ تُوَافِقَهُمْ وَتُوَالِيَهُمْ فَإِنَّكَ وَإِيَّاهُمْ مُتَبَايِنُونَ، وَبَعْضُهُمْ وَلِيٌّ لِبَعْضٍ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِسَبَبِ تَقْوَاهُمْ وَعَمَلِهِمْ بِطَاعَتِهِ.

الجاثية · ١٨–١٩
هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٢٠﴾

أَيْ: ﴿هَذَا﴾ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: يَحْصُلُ بِهِ التَّبَصُّرَةُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لِلنَّاسِ فَيَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْهُدَى وَالرَّحْمَةُ.

﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فَيَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَيَحْصُلُ بِهِ الْخَيْرُ وَالسُّرُورُ وَالسَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهِيَ الرَّحْمَةُ. فَتَزْكُو بِهِ نُفُوسُهُمْ وَتَزْدَادُ بِهِ عُقُولُهُمْ وَيَزِيدُ بِهِ إِيمَانُهُمْ وَيَقِينُهُمْ، وَتَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَصَرَّ وَعَانَدَ.

الجاثية · ٢٠
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٢١﴾

أَيْ: أَمْ حَسِبَ الْمُسِيئُونَ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُقَصِّرُونَ فِي حُقُوقِ رَبِّهِمْ.

﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بِأَنْ قَامُوا بِحُقُوقِ رَبِّهِمْ، وَاجْتَنَبُوا مَسَاخِطَهُ وَلَمْ يَزَالُوا مُؤْثِرِينَ رِضَاهُ عَلَى هَوَى أَنْفُسِهِمْ؟ أَيْ: أَحَسِبُوا أَنْ يَكُونُوا ﴿سَوَاءً﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ سَاءَ مَا ظَنُّوا وَحَسِبُوا وَسَاءَ مَا حَكَمُوا بِهِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ يُخَالِفُ حِكْمَةَ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَخَيْرِ الْعَادِلِينَ وَيُنَاقِضُ الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ، وَيُضَادُّ مَا نَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ وَأَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، بَلِ الْحُكْمُ الْوَاقِعُ الْقَطْعِيُّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ الصَّالِحَاتِ لَهُمُ النَّصْرُ وَالْفَلَاحُ وَالسَّعَادَةُ وَالثَّوَابُ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ إِحْسَانِهِ، وَأَنَّ الْمُسِيئِينَ لَهُمُ الْغَضَبُ وَالْإِهَانَةُ وَالْعَذَابُ وَالشَّقَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

الجاثية · ٢١
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٢٢﴾

أَيْ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحِكْمَةِ وَلِيُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ يُجَازِي بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ هَلْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَقَامُوا بِالْمَأْمُورِ؟ أَمْ كَفَرُوا فَاسْتَحَقُّوا جَزَاءَ الْكَفُورِ؟

الجاثية · ٢٢
أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٣﴾ وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿٢٤﴾ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ الرَّجُلَ الضَّالَّ الَّذِي ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فَمَا هَوِيَهُ سَلَكَهُ سَوَاءٌ كَانَ يُرْضِي اللَّهَ أَوْ يُسْخِطُهُ. ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا تَلِيقُ بِهِ الْهِدَايَةُ وَلَا يَزْكُو عَلَيْهَا. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فَلَا يَسْمَعُ مَا يَنْفَعُهُ، ﴿وَقَلْبِهِ﴾ فَلَا يَعِي الْخَيْرَ ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ تَمْنَعُهُ مِنْ نَظَرِ الْحَقِّ، ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أَيْ: لَا أَحَدَ يَهْدِيهِ وَقَدْ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْهِدَايَةِ وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الْغِوَايَةِ، وَمَا ظَلَمَهُ اللَّهُ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ وَتَسَبَّبَ لِمَنْعِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ مَا يَنْفَعُكُمْ فَتَسْلُكُونَهُ وَمَا يَضُرُّكُمْ فَتَجْتَنِبُونَهُ.

﴿وَقَالُوا﴾ أَيْ: مُنْكِرُو الْبَعْثِ ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ أَيْ: إِنْ هِيَ إِلَّا عَادَاتٌ وَجَرْيٌ عَلَى رُسُومِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَمُوتُ أُنَاسٌ وَيَحْيَا أُنَاسٌ وَمَا مَاتَ فَلَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلَى اللَّهِ وَلَا مُجَازًى بِعَمَلِهِ.

وَقَوْلُهُمْ هَذَا صَادِرٌ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ فَأَنْكَرُوا الْمَعَادَ وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ الصَّادِقِينَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا بُرْهَانٍ.

إِنْ هِيَ إِلَّا ظُنُونٌ وَاسْتِبْعَادَاتٌ خَالِيَةٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَهَذَا جَرَاءَةٌ مِنْهُمْ عَلَى اللَّهِ، حَيْثُ اقْتَرَحُوا هَذَا الِاقْتِرَاحَ وَزَعَمُوا أَنَّ صِدْقَ رُسُلِ اللَّهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِآبَائِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا إِنْ تَبِعَتْهُمُ الرُّسُلُ عَلَى مَا قَالُوا، وَهُمْ كَذَبَةٌ فِيمَا قَالُوا وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ دَفْعُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ لَا بَيَانُ الْحَقِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَإِلَّا فَلَوْ وَصَلَ الْعِلْمُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَى قُلُوبِهِمْ، لَعَمِلُوا لَهُ أَعْمَالًا وَتَهَيَّئُوا لَهُ.

الجاثية · ٢٣–٢٦
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿٢٧﴾ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٩﴾ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴿٣٠﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴿٣٢﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٣٣﴾ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ﴿٣٤﴾ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿٣٥﴾ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿٣٦﴾ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٣٧﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَةِ مُلْكِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالتَّصَرُّفِ وَالتَّدْبِيرِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَأَنَّهُ ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ وَيَجْمَعُ الْخَلَائِقَ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ يَحْصُلُ الْخَسَارُ عَلَى الْمُبْطِلِينَ الَّذِينَ أَتَوْا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ، وَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ بَاطِلَةً لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَاطِلِ فَبَطَلَتْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْيَوْمِ الَّذِي تَسْتَبِينُ بِهِ الْحَقَائِقُ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْهُمْ وَفَاتَهُمُ الثَّوَابُ وَحَصَلُوا عَلَى أَلِيمِ الْعِقَابِ.

ثُمَّ وَصَفَ تَعَالَى شِدَّةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَوْلَهُ لِيَحْذَرَهُ الْعِبَادُ وَيَسْتَعِدَّ لَهُ الْعِبَادُ فَقَالَ: ﴿وَتَرَى﴾ أَيُّهَا الرَّائِي لِذَلِكَ الْيَوْمِ ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ عَلَى رُكَبِهَا خَوْفًا وَذُعْرًا وَانْتِظَارًا لِحُكْمِ الْمَلِكِ الرَّحْمَنِ.

﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ أَيْ: إِلَى شَرِيعَةِ نَبِيِّهِمُ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهَلْ قَامُوا بِهَا فَيَحْصُلَ لَهُمُ الثَّوَابُ وَالنَّجَاةُ؟ أَمْ ضَيَّعُوهَا فَيَحْصُلَ لَهُمُ الْخُسْرَانُ؟ فَأُمَّةُ مُوسَى يُدْعَوْنَ إِلَى شَرِيعَةِ مُوسَى وَأُمَّةُ عِيسَى كَذَلِكَ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا غَيْرُهُمْ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى شَرْعِهَا الَّذِي كُلِّفَتْ بِهِ، هَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ أَيْ: إِلَى كِتَابِ أَعْمَالِهَا وَمَا سُطِّرَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُجَازَى بِمَا عَمِلَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: هَذَا كِتَابُنَا الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ، يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَذَا كِتَابُ الْأَعْمَالِ. وَلِهَذَا فَصَّلَ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِالْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إِيمَانًا صَحِيحًا وَصَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الَّتِي مَحَلُّهَا الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْعَيْشِ السَّلِيمِ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أَيِ: الْمَفَازُ وَالنَّجَاةُ وَالرِّبْحُ وَالْفَلَاحُ الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ الَّذِي إِذَا حَصَلَ لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ كُلُّ خَيْرٍ وَانْدَفَعَ عَنْهُ كُلُّ شَرٍّ.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وَقَدْ دَلَّتْكُمْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ وَنَهَتْكُمْ عَمَّا فِيهِ ضَرَرُكُمْ وَهِيَ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ لَوْ وُفِّقْتُمْ لَهَا، وَلَكِنِ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْهَا وَأَعْرَضْتُمْ وَكَفَرْتُمْ بِهَا فَجَنَيْتُمْ أَكْبَرَ جِنَايَةٍ وَأَجْرَمْتُمْ أَشَدَّ الْجُرْمِ فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَيُوَبَّخُونَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ﴾ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾

فَهَذِهِ حَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَحَالَ الْبَعْثِ الْإِنْكَارُ لَهُ وَرَدُّ قَوْلِ مَنْ جَاءَ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أَيْ: وَظَهَرَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُقُوبَاتُ أَعْمَالِهِمْ، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: نَزَلَ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَبِوُقُوعِهِ وَبِمَنْ جَاءَ بِهِ.

﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ أَيْ: نَتْرُكُكُمْ فِي الْعَذَابِ ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ أَيْ: هِيَ مَقَرُّكُمْ وَمَصِيرُكُمْ، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَيَدْفَعُونَ عَنْكُمْ عِقَابَهُ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ الَّذِي حَصَلَ لَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ ﴿بِـ﴾ سَبَبِ ﴿أَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَتَلَقِّيهَا بِالسُّرُورِ وَالِاسْتِبْشَارِ وَالْفَرَحِ.

﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بِزَخَارِفِهَا وَلَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا فَاطْمَأْنَنْتُمْ إِلَيْهَا، وَعَمِلْتُمْ لَهَا وَتَرَكْتُمُ الْعَمَلَ لِلدَّارِ الْبَاقِيَةِ.

﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أَيْ: وَلَا يُمْهَلُونَ وَلَا يُرَدُّونَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا صَالِحًا.

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: لَهُ الْحَمْدُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ لِسَائِرِ الْخَلَائِقِ حَيْثُ خَلَقَهُمْ وَرَبَّاهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَيْ: لَهُ الْجَلَالُ وَالْعَظَمَةُ وَالْمَجْدُ.

فَالْحَمْدُ فِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَمَحَبَّتُهُ تَعَالَى وَإِكْرَامُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ فِيهَا عَظَمَتُهُ وَجَلَالُهُ وَالْعِبَادَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رُكْنَيْنِ، مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَهُمَا نَاشِئَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِمَحَامِدِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ.

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، فَلَا يَشْرَعُ مَا يَشْرَعُهُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ وَلَا يَخْلُقُ مَا يَخْلُقُهُ إِلَّا لِفَائِدَةٍ وَمَنْفَعَةٍ.

الجاثية · ٢٧–٣٧