يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ وَأَنَّهُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ الْمَأْلُوهِ الْمَعْبُودِ لِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَانْفَرَدَ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ الْكَامِلَةُ وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ. ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْأُفُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنَ الدَّوَابِّ وَمَا أَوْدَعَ فِيهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يُحْيِي بِهِ اللَّهُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
فَهَذِهِ كُلُّهَا آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ وَأَدِلَّةٌ وَاضِحَاتٌ عَلَى صِدْقِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَصِحَّةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ، وَدَالَّاتٌ أَيْضًا عَلَى مَا لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الْكَمَالِ وَعَلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعَالَى النَّاسَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِآيَاتِهِ وَعَدَمِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٌ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيَتَفَكَّرُونَ بِهَا وَيَنْتَفِعُونَ فَيَرْتَفِعُونَ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِيمَانًا تَامًّا وَصَلَ بِهِمْ إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ، فَزَكَّى مِنْهُمُ الْعُقُولَ وَازْدَادَتْ بِهِ مَعَارِفُهُمْ وَأَلْبَابُهُمْ وَعُلُومُهُمْ.
وَقِسْمٌ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ سَمَاعًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهَا وَيَسْتَكْبِرُ، كَأَنَّهُ مَا سَمِعَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُزَكِّ قَلْبَهُ وَلَا طَهَّرَتْهُ بَلْ بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِهِ عَنْهَا ازْدَادَ طُغْيَانُهُ.
وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَيْلِ فَقَالَ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٍ فِي مَقَالِهِ أَثِيمٍ فِي فِعَالِهِ.
وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا وَأَنَّ ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ تَكْفِي فِي عُقُوبَتِهِمُ الْبَلِيغَةِ.
وَأَنَّهُ ﴿لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْأَمْوَالِ ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ فَخَذَلُوهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ لَوْ نَفَعُوا.
فَلَمَّا بَيَّنَ آيَاتِهِ الْقُرْآنِيَّةَ وَالْعِيَانِيَّةَ وَأَنَّ النَّاسَ فِيهَا عَلَى قِسْمَيْنِ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ أَنَّهُ هُدًى فَقَالَ: ﴿هَذَا هُدًى﴾ وَهَذَا وَصْفٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَفْعَالِهِ الْحَمِيدَةِ، وَيَهْدِي إِلَى مَعْرِفَةِ رُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَأَوْصَافِهِمْ، وَيَهْدِي إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَيَدْعُو إِلَيْهَا وَيُبَيِّنُ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيَهْدِي إِلَى بَيَانِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَيُبَيِّنُ الْجَزَاءَ الدُّنْيَوِيَّ وَالْأُخْرَوِيَّ، فَالْمُهْتَدُونَ اهْتَدَوْا بِهِ فَأَفْلَحُوا وَسَعِدُوا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الْوَاضِحَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا مَنِ اشْتَدَّ ظُلْمُهُ وَتَضَاعَفَ طُغْيَانُهُ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾