1. السور
  2. سورة الفتح

سورة الفتح

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› محمدالحجرات ‹
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴿١﴾ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴿٣﴾

هَذَا الْفَتْحُ الْمَذْكُورُ هُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا جَاءَ مُعْتَمِرًا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، صَارَ آخِرُ أَمْرِهَا أَنْ صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَعَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَحِلْفِهِمْ دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقْدِهِ فَعَلَ.

وَبِسَبَبِ ذَلِكَ لَمَّا أَمِنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، اتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الدَّعْوَةِ لِدِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَصَارَ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِأَيِّ مَحَلٍّ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْأَقْطَارِ، يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمْكَنَ الْحَرِيصَ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ فَتْحٌ مُبِينٌ أَيْ: ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي فَتْحِ بُلْدَانِ الْمُشْرِكِينَ إِعْزَازُ دِينِ اللَّهِ، وَانْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا حَصَلَ بِذَلِكَ الْفَتْحِ، وَرَتَّبَ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْفَتْحِ عِدَّةَ أُمُورٍ، فَقَالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

وَذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- بِسَبَبِ مَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ بِكَثْرَةٍ، وَبِمَا تَحَمَّلَ ﷺ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَنَاقِبِهِ وَكَرَامَاتِهِ ﷺ، أَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.

﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإِعْزَازِ دِينِكَ، وَنَصْرِكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَاتِّسَاعِ كَلِمَتِكَ، ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ تَنَالُ بِهِ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، وَالْفَلَاحَ السَّرْمَدِيَّ.

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أَيْ: قَوِيًّا لَا يَتَضَعْضَعُ فِيهِ الْإِسْلَامُ، بَلْ يَحْصُلُ الِانْتِصَارُ التَّامُّ، وَقَمْعُ الْكَافِرِينَ، وَذُلُّهُمْ وَنَقْصُهُمْ، مَعَ تَوَفُّرِ قُوَى الْمُسْلِمِينَ وَنُمُوِّهِمْ، وَنُمُوِّ أَمْوَالِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ آثَارَ هَذَا الْفَتْحِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ:

الفتح · ١–٣
هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَٰنًا مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٤﴾ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٥﴾ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿٦﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مِنَّتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِإِنْزَالِ السَّكِينَةِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَهِيَ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ نُزُولِ الْمِحَنِ الْمُقْلِقَةِ، وَالْأُمُورِ الصَّعْبَةِ، الَّتِي تُشَوِّشُ الْقُلُوبَ، وَتُزْعِجُ الْأَلْبَابَ، وَتُضْعِفُ النُّفُوسَ، فَمِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُثَبِّتَهُ وَيَرْبِطَ عَلَى قَلْبِهِ، وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ، لِيَتَلَقَّى هَذِهِ الْمَشَقَّاتِ بِقَلْبٍ ثَابِتٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، فَيَسْتَعِدَّ بِذَلِكَ لِإِقَامَةِ أَمْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَيَزْدَادَ بِذَلِكَ إِيمَانُهُ، وَيَتِمَّ إِيقَانُهُ، فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا جَرَى مَا جَرَى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ، مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الَّتِي ظَاهِرُهَا أَنَّهَا غَضَاضَةٌ عَلَيْهِمْ، وَحَطٌّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَتِلْكَ لَا تَكَادُ تَصْبِرُ عَلَيْهَا النُّفُوسُ، فَلَمَّا صَبَرُوا عَلَيْهَا وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ لَهَا، ازْدَادُوا بِذَلِكَ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ: جَمِيعُهَا فِي مُلْكِهِ، وَتَحْتَ تَدْبِيرِهِ وَقَهْرِهِ، فَلَا يَظُنُّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فَتَقْتَضِي حِكْمَتُهُ الْمُدَاوَلَةَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَيَّامِ، وَتَأْخِيرَ نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ. ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ الْمَرْغُوبُ الْمَطْلُوبُ بِدُخُولِ الْجَنَّاتِ، وَيُزِيلَ عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فَهَذَا مَا يُفْعَلُ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْفَتْحِ الْمُبِينِ.

وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ، وَالْمُشْرِكُونَ وَالْمُشْرِكَاتُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ بِذَلِكَ، وَيُرِيهِمْ مَا يَسُوءُهُمْ؛ حَيْثُ كَانَ مَقْصُودُهُمْ خِذْلَانَ الْمُؤْمِنِينَ، وَظَنُّوا بِاللَّهِ الظَّنَّ السَّوْءَ، أَنَّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ، وَلَا يُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَأَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ، سَتَكُونُ لَهُمُ الدَّائِرَةُ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، فَأَدَارَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُمْ، وَكَانَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِمَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُمْ وَأَقْصَاهُمْ عَنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

الفتح · ٤–٦
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٧﴾

كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْجُنُودِ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ، وَأَنَّهُ سَيَنْصُرُ جُنُودَهُ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أَيْ: قَوِيًّا غَالِبًا، قَاهِرًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَمَعَ عِزَّتِهِ وَقُوَّتِهِ فَهُوَ حَكِيمٌ فِي خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ، يَجْرِي عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَإِتْقَانُهُ.

الفتح · ٧
إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾ لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٩﴾

أَيْ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أَيُّهَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﴿شَاهِدًا﴾ لِأُمَّتِكَ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَشَاهِدًا عَلَى الْمَقَالَاتِ وَالْمَسَائِلِ، حَقِّهَا وَبَاطِلِهَا، وَشَاهِدًا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالِانْفِرَادِ بِالْكَمَالِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ مَنْ أَطَاعَكَ وَأَطَاعَ اللَّهَ بِالثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالدِّينِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَمُنْذِرًا مَنْ عَصَى اللَّهَ بِالْعِقَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَمِنْ تَمَامِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، بَيَانُ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي يُبَشَّرُ بِهَا وَيُنْذَرُ، فَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَالْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلِهَذَا رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ لَكُمْ، وَتَعْلِيمِهِ لَكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ، أَرْسَلْنَاهُ لِتَقُومُوا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِطَاعَتِهِمَا فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ.

﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أَيْ: تُعَزِّرُوا الرَّسُولَ ﷺ وَتُوَقِّرُوهُ أَيْ: تُعَظِّمُوهُ وَتُجِلُّوهُ، وَتَقُومُوا بِحُقُوقِهِ، كَمَا كَانَتْ لَهُ الْمِنَّةُ الْعَظِيمَةُ بِرِقَابِكُمْ، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أَيْ: تُسَبِّحُوا لِلَّهِ ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْحَقَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ رَسُولِهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِهِمَا، وَالْمُخْتَصَّ بِالرَّسُولِ، وَهُوَ التَّعْزِيرُ وَالتَّوْقِيرُ، وَالْمُخْتَصَّ بِاللَّهِ، وَهُوَ التَّسْبِيحُ لَهُ وَالتَّقْدِيسُ بِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

الفتح · ٨–٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٠﴾

هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ إِلَيْهَا هِيَ ﴿بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ﴾ الَّتِي بَايَعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عَنْهُ، فَهِيَ عَقْدٌ خَاصٌّ، مِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَوْ كَانُوا فِي حَالٍ يَجُوزُ الْفِرَارُ فِيهَا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى: أَنَّ الَّذِينَ بَايَعُوكَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وَيَعْقِدُونَ الْعَقْدَ مَعَهُ، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ شِدَّةِ تَأَكُّدِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ بَايَعُوا اللَّهَ وَصَافَحُوهُ بِتِلْكَ الْمُبَايَعَةِ، وَكُلُّ هَذَا لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ فَلَمْ يَفِ بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أَيْ: لِأَنَّ وَبَالَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَيْهِ، وَعُقُوبَتَهُ وَاصِلَةٌ لَهُ، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ أَيْ: أَتَى بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لَا يَعْلَمُ عِظَمَهُ وَقَدْرَهُ إِلَّا الَّذِي آتَاهُ إِيَّاهُ.

الفتح · ١٠
سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۢا ﴿١١﴾ بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًۢا بُورًا ﴿١٢﴾ وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ سَعِيرًا ﴿١٣﴾

يَذُمُّ تَعَالَى الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِهِ، فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ ضَعُفَ إِيمَانُهُمْ، وَكَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَسُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُمْ سَيَعْتَذِرُونَ بِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ شَغَلَتْهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ فِي الْجِهَادِ، وَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فَإِنَّ طَلَبَهُمُ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى نَدَمِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالذَّنْبِ، وَأَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا تَخَلُّفًا يَحْتَاجُ إِلَى تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانَ اسْتِغْفَارُ الرَّسُولِ نَافِعًا لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ تَابُوا وَأَنَابُوا، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَخَلَّفُوا لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.

فَظَنُّوا ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أَيْ: إِنَّهُمْ سَيُقْتَلُونَ وَيُسْتَأْصَلُونَ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الظَّنُّ يُزَيَّنُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَطْمَئِنُّونَ إِلَيْهِ، حَتَّى اسْتَحْكَمَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَمْرَانِ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أَيْ: هَلْكَى، لَا خَيْرَ فِيهِمْ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي قُلُوبِهِمْ.

الثَّانِي: ضَعْفُ إِيمَانِهِمْ وَيَقِينِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَنَصْرِ دِينِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُ كَافِرٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ، ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾

الفتح · ١١–١٣
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١٤﴾

أَيْ: هُوَ تَعَالَى الْمُنْفَرِدُ بِمُلْكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الْجَزَائِيَّةِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ حُكْمَ الْجَزَاءِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَالَ: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَهُوَ مَنْ قَامَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِمَّنْ تَهَاوَنَ بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: وَصْفُهُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ، فَلَا يَزَالُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ يَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِينَ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الْخَطَّائِينَ، وَيَتَقَبَّلُ تَوْبَةَ التَّائِبِينَ، وَيُنْزِلُ خَيْرَهُ الْمِدْرَارَ، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

الفتح · ١٤
سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٥﴾

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَلَّفِينَ وَذَمَّهُمْ، ذَكَرَ أَنَّ مِنْ عُقُوبَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إِذَا انْطَلَقُوا إِلَى غَنَائِمَ لَا قِتَالَ فِيهَا لِيَأْخُذُوهَا، طَلَبُوا مِنْهُمُ الصُّحْبَةَ وَالْمُشَارَكَةَ، وَيَقُولُونَ: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ﴾ بِذَلِكَ ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ حَيْثُ حَكَمَ بِعُقُوبَتِهِمْ، وَاخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الْغَنَائِمِ، شَرْعًا وَقَدَرًا. ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ إِنَّكُمْ مَحْرُومُونَ مِنْهَا بِمَا جَنَيْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبِمَا تَرَكْتُمُ الْقِتَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.

﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مُجِيبِينَ لِهَذَا الْكَلَامِ، الَّذِي مُنِعُوا بِهِ عَنِ الْخُرُوجِ: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ عَلَى الْغَنَائِمِ، هَذَا مُنْتَهَى عِلْمِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَوْ فَهِمُوا رُشْدَهُمْ، لَعَلِمُوا أَنَّ حِرْمَانَهُمْ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ، وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَهَا عُقُوبَاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

الفتح · ١٥
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٦﴾ لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٧﴾

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَيَعْتَذِرُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ الْخُرُوجَ مَعَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَوْكَةٌ وَلَا قِتَالٌ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الْغَنِيمَةِ، قَالَ تَعَالَى مُمْتَحِنًا لَهُمْ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: سَيَدْعُوكُمُ الرَّسُولُ وَمَنْ نَابَ مَنَابَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فَارِسُ وَالرُّومُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَأَشْبَهَهُمْ. ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا، وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْوَاقِعُ، فَإِنَّهُمْ فِي حَالِ قِتَالِهِمْ وَمُقَاتَلَتِهِمْ لِأُولَئِكَ الْأَقْوَامِ، إِذْ كَانَتْ شِدَّتُهُمْ وَبَأْسُهُمْ مَعَهُمْ، فَإِنَّهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَا يَقْبَلُونَ أَنْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَثْخَنَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَضَعُفُوا وَذَلُّوا، ذَهَبَ بَأْسُهُمْ، فَصَارُوا إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ الدَّاعِيَ لَكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ وَهُوَ الْأَجْرُ الَّذِي رَتَّبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عَنْ قِتَالِ مَنْ دَعَاكُمُ الرَّسُولُ إِلَى قِتَالِهِ، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى فَضِيلَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، الدَّاعِينَ لِجِهَادِ أَهْلِ الْبَأْسِ مِنَ النَّاسِ، وَأَنَّهُ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْأَعْذَارَ الَّتِي يُعْذَرُ بِهَا الْعَبْدُ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ لِعُذْرِهِمُ الْمَانِعِ.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِمَا، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِمَا ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فَالسَّعَادَةُ كُلُّهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالشَّقَاوَةُ فِي مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.

الفتح · ١٦–١٧
لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿١٨﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٩﴾ وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ﴿٢٠﴾ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ﴿٢١﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، بِرِضَاهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَ الرَّسُولَ ﷺ تِلْكَ الْمُبَايَعَةَ الَّتِي بَيَّضَتْ وُجُوهَهُمْ، وَاكْتَسَبُوا بِهَا سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْبَيْعَةِ -الَّتِي يُقَالُ لَهَا "بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ" لِرِضَا اللَّهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا، وَيُقَالُ لَهَا "بَيْعَةُ أَهْلِ الشَّجَرَةِ" - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَارَ الْكَلَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَأْنِ مَجِيئِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا هَذَا الْبَيْتَ، مُعَظِّمًا لَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ لِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ خَبَرٌ غَيْرُ صَادِقٍ، أَنَّ عُثْمَانَ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَجَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَبَايَعُوهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنْ لَا يَفِرُّوا حَتَّى يَمُوتُوا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ رَضِيَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الطَّاعَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الْإِيمَانِ، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شُكْرًا لَهُمْ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ، زَادَهُمْ هُدًى، وَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الَّتِي شَرَطَهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى رَسُولِهِ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ تُثَبِّتُهُمْ، وَتَطْمَئِنُّ بِهَا قُلُوبُهُمْ، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وَهُوَ: فَتْحُ خَيْبَرَ، لَمْ يَحْضُرْهُ سِوَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَاخْتُصُّوا بِخَيْبَرَ وَغَنَائِمِهَا، جَزَاءًا لَهُمْ، وَشُكْرًا عَلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقِيَامِ بِمَرْضَاتِهِ.

﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: لَهُ الْعِزَّةُ وَالْقُدْرَةُ، الَّتِي قَهَرَ بِهَا الْأَشْيَاءَ، فَلَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ وَقْعَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّهُ حَكِيمٌ، يَبْتَلِي بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَمْتَحِنُ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ.

﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أَيْ: غَنِيمَةَ خَيْبَرَ أَيْ: فَلَا تَحْسَبُوهَا وَحْدَهَا، بَلْ ثَمَّ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْغَنَائِمِ سَيَتْبَعُهَا، ﴿وَ﴾ احْمَدُوا اللَّهَ إِذْ ﴿كَفَّ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الْقَادِرِينَ عَلَى قِتَالِكُمْ، الْحَرِيصِينَ عَلَيْهِ ﴿عَنْكُمْ﴾ فَهِيَ نِعْمَةٌ، وَتَخْفِيفٌ عَنْكُمْ.

﴿وَلِتَكُونَ﴾ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى خَبَرِ اللَّهِ الصَّادِقِ، وَوَعْدِهِ الْحَقِّ، وَثَوَابِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهَا سَيُقَدِّرُ غَيْرَهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ بِمَا يُقَيِّضُ لَكُمْ مِنَ الْأَسْبَابِ ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ.

﴿وَأُخْرَى﴾ أَيْ: وَعَدَكُمْ أَيْضًا غَنِيمَةً أُخْرَى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ وَقْتَ هَذَا الْخِطَابِ، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، وَتَحْتَ تَدْبِيرِهِ وَمُلْكِهِ، وَقَدْ وَعَدَكُمُوهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ مَا وَعَدَ بِهِ، لِكَمَالِ اقْتِدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾

الفتح · ١٨–٢١
وَلَوْ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوَلَّوُا۟ ٱلْأَدْبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿٢٢﴾ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾

هَذِهِ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بِنَصْرِهِمْ عَلَى أَعْدَائِهِمُ الْكَافِرِينَ، وَأَنَّهُمْ لَوْ قَابَلُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهُمْ وَيُعِينُهُمْ عَلَى قِتَالِكُمْ، بَلْ هُمْ مَخْذُولُونَ مَغْلُوبُونَ وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، أَنَّ جُنْدَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾

الفتح · ٢٢–٢٣
وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٢٤﴾ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٢٥﴾

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ بِالْعَافِيَةِ، مِنْ شَرِّ الْكُفَّارِ وَمِنْ قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلِ مَكَّةَ ﴿عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَصَارُوا تَحْتَ وِلَايَتِكُمْ بِلَا عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، وَهُمْ نَحْوُ ثَمَانِينَ رَجُلًا انْحَدَرُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُصِيبُوا مِنْهُمْ غِرَّةً، فَوَجَدُوا الْمُسْلِمِينَ مُنْتَبِهِينَ فَأَمْسَكُوهُمْ، فَتَرَكُوهُمْ وَلَمْ يَقْتُلُوهُمْ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالْمُؤْمِنِينَ إِذْ لَمْ يَقْتُلُوهُمْ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، وَيُدَبِّرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِتَدْبِيرِهِ الْحَسَنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأُمُورَ الْمُهَيِّجَةَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَصَدُّهُمْ رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَأْتُوا لِلْبَيْتِ الْحَرَامِ زَائِرِينَ مُعَظِّمِينَ لَهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَيْضًا صَدُّوا ﴿الْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ أَيْ: مَحْبُوسًا ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وَهُوَ مَحَلُّ ذَبْحِهِ وَهُوَ مَكَّةُ، فَمَنَعُوهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَكُلُّ هَذِهِ أُمُورٌ مُوجِبَةٌ وَدَاعِيَةٌ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَلَكِنْ ثَمَّ مَانِعٌ وَهُوَ: وُجُودُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسُوا مُتَمَيِّزِينَ بِمَحَلَّةٍ أَوْ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَنَالَهُمْ أَذًى، فَلَوْلَا هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ الْمُؤْمِنُونَ، وَالنِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، الَّذِينَ لَا يَعْلَمُهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ تَطَأُوهُمْ، أَيْ: خَشْيَةَ أَنْ تَطَأُوهُمْ ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وَالْمَعَرَّةُ: مَا يَدْخُلُ تَحْتَ قِتَالِهِمْ، مِنْ نَيْلِهِمْ بِالْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ، وَفَائِدَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَهُوَ: أَنَّهُ لِيُدْخِلَ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ فَيَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَبِالْهُدَى بَعْدَ الضَّلَالِ، فَيَمْنَعُكُمْ مِنْ قِتَالِهِمْ لِهَذَا السَّبَبِ.

﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أَيْ: لَوْ زَالُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بِأَنْ نُبِيحَ لَكُمْ قِتَالَهُمْ، وَنَأْذَنَ فِيهِ، وَنَنْصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ.

الفتح · ٢٤–٢٥
إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوٓا۟ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴿٢٦﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حَيْثُ أَنِفُوا مِنْ كِتَابَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَأَنِفُوا مِنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ: " دَخَلُوا مَكَّةَ قَاهِرِينَ لِقُرَيْشٍ " وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَنَحْوُهَا مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ تَزَلْ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى أَوْجَبَتْ لَهُمْ مَا أَوْجَبَتْ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَلَمْ يَحْمِلْهُمُ الْغَضَبُ عَلَى مُقَابَلَةِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا قَابَلُوهُمْ بِهِ، بَلْ صَبَرُوا لِحُكْمِ اللَّهِ، وَالْتَزَمُوا الشُّرُوطَ الَّتِي فِيهَا تَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَتْ مَا كَانَتْ، وَلَمْ يُبَالُوا بِقَوْلِ الْقَائِلِينَ، وَلَا لَوْمِ اللَّائِمِينَ.

﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وَهِيَ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَحُقُوقُهَا، أَلْزَمَهُمُ الْقِيَامَ بِهَا، فَالْتَزَمُوهَا وَقَامُوا بِهَا، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ مِنْ غَيْرِهِمْ ﴿وَ﴾ كَانُوا ﴿أَهْلَهَا﴾ الَّذِينَ اسْتَأْهَلُوهَا لِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ عِنْدَهُمْ وَفِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

الفتح · ٢٦
لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿٢٧﴾ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ﴿٢٨﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي الْمَدِينَةِ رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا أَصْحَابَهُ، أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ مَكَّةَ وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مَا جَرَى، وَرَجَعُوا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ لِمَكَّةَ، كَثُرَ فِي ذَلِكَ الْكَلَامُ مِنْهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ فَقَالَ: " أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ الْعَامَ؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: "فَإِنَّكُمْ سَتَأْتُونَهُ وَتَطُوفُونَ بِهِ" قَالَ اللَّهُ هُنَا: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا وَصِدْقِهَا، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ تَأَخُّرُ تَأْوِيلِهَا، ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ أَيْ: فِي هَذِهِ الْحَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَعْظِيمِ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَدَائِكُمْ لِلنُّسُكِ، وَتَكْمِيلِهِ بِالْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، وَعَدَمِ الْخَوْفِ، ﴿فَعَلِمَ﴾ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنَافِعِ ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الدُّخُولِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾

وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ مِمَّا تَشَوَّشَتْ بِهَا قُلُوبُ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَفِيَتْ عَلَيْهِمْ حِكْمَتُهَا، فَبَيَّنَ تَعَالَى حِكْمَتَهَا وَمَنْفَعَتَهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا، هُدًى وَرَحْمَةٌ.

أَخْبَرَ بِحُكْمٍ عَامٍّ، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، الَّذِي يَهْدِي مِنَ الضَّلَالَةِ، وَيُبَيِّنُ طُرُقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أَيْ: الدِّينِ الْمَوْصُوفِ بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ وَالرَّحْمَةُ.

وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ مُزَكٍّ لِلْقُلُوبِ، مُطَهِّرٍ لِلنُّفُوسِ، مُرَبٍّ لِلْأَخْلَاقِ، مُعْلٍ لِلْأَقْدَارِ.

﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَيَكُونُ دَاعِيًا لِإِخْضَاعِهِمْ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ.

الفتح · ٢٧–٢٨
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا ﴿٢٩﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ رَسُولِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَنَّهُمْ بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، وَأَجَلِّ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّهُمْ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أَيْ: جَادُّونَ وَمُجْتَهِدُونَ فِي عَدَاوَتِهِمْ، وَسَاعُونَ فِي ذَلِكَ بِغَايَةِ جُهْدِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا مِنْهُمْ إِلَّا الْغِلْظَةَ وَالشِّدَّةَ، فَلِذَلِكَ ذَلَّ أَعْدَاؤُهُمْ لَهُمْ، وَانْكَسَرُوا، وَقَهَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: مُتَحَابُّونَ مُتَرَاحِمُونَ مُتَعَاطِفُونَ، كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، يُحِبُّ أَحَدُهُمْ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، هَذِهِ مُعَامَلَتُهُمْ مَعَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا مُعَامَلَتُهُمْ مَعَ الْخَالِقِ فَإِنَّكَ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أَيْ: وَصْفُهُمْ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ، الَّتِي أَجَلُّ أَرْكَانِهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ.

﴿يَبْتَغُونَ﴾ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: هَذَا مَقْصُودُهُمْ بُلُوغُ رِضَا رَبِّهِمْ، وَالْوُصُولُ إِلَى ثَوَابِهِ.

﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أَيْ: قَدْ أَثَّرَتِ الْعِبَادَةُ -مِنْ كَثْرَتِهَا وَحُسْنِهَا- فِي وُجُوهِهِمْ، حَتَّى اسْتَنَارَتْ، لَمَّا اسْتَنَارَتْ بِالصَّلَاةِ بَوَاطِنُهُمْ، اسْتَنَارَتْ بِالْجَلَالِ ظَوَاهِرُهُمْ.

﴿ذَلِكَ﴾ الْمَذْكُورُ ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: هَذَا وَصْفُهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ، مَذْكُورٌ بِالتَّوْرَاةِ هَكَذَا.

وَأَمَّا مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِوَصْفٍ آخَرَ، وَأَنَّهُمْ فِي كَمَالِهِمْ وَتَعَاوُنِهِمْ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ أَيْ: أَخْرَجَ فِرَاخَهُ، فَوَازَرَتْهُ فِرَاخُهُ فِي الشَّبَابِ وَالِاسْتِوَاءِ.

﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذَلِكَ الزَّرْعُ أَيْ: قَوِيَ وَغَلُظَ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جَمْعُ سَاقٍ، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ مِنْ كَمَالِهِ وَاسْتِوَائِهِ، وَحُسْنِهِ وَاعْتِدَالِهِ، كَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، هُمْ كَالزَّرْعِ فِي نَفْعِهِمْ لِلْخَلْقِ وَاحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ، فَقُوَّةُ إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ عُرُوقِ الزَّرْعِ وَسُوقِهِ، وَكَوْنُ الصَّغِيرِ وَالْمُتَأَخِّرِ إِسْلَامُهُ، قَدْ لَحِقَ الْكَبِيرَ السَّابِقَ وَوَازَرَهُ وَعَاوَنَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مِنْ إِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، كَالزَّرْعِ الَّذِي أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حِينَ يَرَوْنَ اجْتِمَاعَهُمْ وَشِدَّتَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَحِينَ يَتَصَادَمُونَ هُمْ وَهُمْ فِي مَعَارِكِ النِّزَالِ، وَمَعَامِعِ الْقِتَالِ.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمْ بَيْنَ الْمَغْفِرَةِ، الَّتِي مِنْ لَوَازِمِهَا وِقَايَةُ شُرُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَلْنَسُقْ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ بِطُولِهَا، كَمَا سَاقَهَا الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ﴿الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ﴾ فَإِنَّ فِيهَا إِعَانَةً عَلَى فَهْمِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَعَانِيهَا وَأَسْرَارِهَا، قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: - فَصْلٌ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ

قَالَ نَافِعٌ: كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتْ فِي شَوَّالٍ، وَهَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ غَزَاةُ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى الصَّوَابِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مَعَهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، هَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْهُ فِيهِمَا: كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِيهِمَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: كُنَّا أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ كَانَ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ؟ قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ وَهِمَ، وَهُوَ حَدَّثَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً، قُلْتُ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ الْقَوْلَانِ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُمْ نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، بِخَيْلِنَا وَرَجِلِنَا، يَعْنِي: فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ.

وَالْقَلْبُ إِلَى هَذَا أَمْيَلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَزْنٍ، قَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَغَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا مَنْ قَالَ: كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ، وَعُذْرُهُ أَنَّهُمْ نَحَرُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَالْبَدَنَةُ قَدْ جَاءَ إِجْزَاؤُهَا عَنْ سَبْعَةٍ أَوْ عَشَرَةٍ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبَدَنَةَ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ عَنْ سَبْعَةٍ، فَلَوْ كَانَتِ السَّبْعُونَ عَنْ جَمِيعِهِمْ، لَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ رَجُلًا وَقَدْ قَالَ بِتَمَامِ الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. فَصْلٌ

فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ خُزَاعَةَ، يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ، وَجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ.

وَاسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ: أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ، وَإِنْ نَجَوْا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ، أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ؟ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَلَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَرُوحُوا إِذًا" فَرَاحُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ"، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ، حَتَّى إِذَا هُوَ بِغَبَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ.

وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ" ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُمُوهَا" ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ بِهِ، فَعَدَلَ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ، إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثِ النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشَ.

فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا فِيهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهَا، وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لِيَبْعَثَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي، إِنْ أُوذِيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَإِنَّ عَشِيرَتَهُ بِهَا، وَإِنَّهُ مُبَلِّغٌ مَا أَرَدْتَ.

فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، وَقَالَ: "أَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا، وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ"

وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ، وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَيُبَشِّرَهُمْ بِالْفَتْحِ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكَّةَ، حَتَّى لَا يُسْتَخْفَى فِيهَا بِالْإِيمَانِ، فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ، فَمَرَّ عَلَى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحٍ، فَقَالُوا: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَنُخْبِرُكُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا، قَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ، فَانْفُذْ لِحَاجَتِكَ.

وَقَامَ إِلَيْهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَأَسْرَجَ فَرَسَهُ، فَحَمَلَ عُثْمَانَ عَلَى الْفَرَسِ، فَأَجَارَهُ، وَأَرْدَفَهُ أَبَانُ حَتَّى جَاءَ مَكَّةَ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عُثْمَانُ: خَلَصَ عُثْمَانُ قَبْلَنَا إِلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَظُنُّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ" فَقَالُوا: وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ خَلَصَ؟ قَالَ: "ذَاكَ ظَنِّي بِهِ، أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ مَعَهُ" وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الصُّلْحِ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ مَعْرَكَةٌ، وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَصَاحَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا، وَارْتَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْ فِيهِمْ، وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَدَعَا إِلَى الْبَيْعَةِ.

فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ نَفْسِهِ، وَقَالَ: "هَذِهِ عَنْ عُثْمَانَ" وَلَمَّا تَمَّتِ الْبَيْعَةُ، رَجَعَ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ: اشْتَفَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: بِئْسَمَا ظَنَنْتُمْ بِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ مَكَثْتُ بِهَا سَنَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ، مَا طُفْتُ بِهَا حَتَّى يَطُوفَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَأَبَيْتُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَانَ أَعْلَمَنَا بِاللَّهِ، وَأَحْسَنَنَا ظَنًّا.

وَكَانَ عُمَرُ أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ إِلَّا الْجَدَّ ابْنَ قَيْسٍ، وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، أَخَذَ بِغُصْنِهَا يَرْفَعُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ، أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ، وَبَايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَأَوْسَطِهِمْ، وَآخِرِهِمْ.

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ، وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا أُمَادِدْهُمْ وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْقِتَالَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ" قَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ.

فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُحَدِّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ: مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ: إِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ: مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ لَوِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا، وَأَرَى أَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ، خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ قَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا، لَأَجَبْتُكَ.

وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، وَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَهُ السَّيْفُ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، وَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَيْ: غُدَرُ، أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ"

ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً، إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا جِلْدَهُ وَوَجْهَهُ.

وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ، خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ، تَعْظِيمًا لَهُ.

فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، عَلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ، مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ، خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا.

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ.

فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ" فَبَعَثُوهَا فَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ.

فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، وَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَقَامَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هَذَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ" فَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ، إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ" فَقَالَ: هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كِتَابًا، فَدَعَا الْكَاتِبَ، فَقَالَ: "اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"

ثُمَّ قَالَ: "اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ.

فَقَالَ سُهَيْلٌ: عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ، إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا.

فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا قَاضَيْتُكَ عَلَيْهِ، أَنْ تَرُدَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ" فَقَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَأَجِزْهُ لِي" فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ، فَقَالَ: "بَلَى فَافْعَلْ" قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: قَدْ أَجَزْنَاهُ.

فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَذَابًا شَدِيدًا.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "بَلَى" قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى" فَقُلْتُ: عَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَعْدَائِنَا؟ فَقَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ" قُلْتُ: أَوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ " قُلْتُ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ"

قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ كَمَا قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوَاءً، وَزَادَ: فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ، قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا.

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُومُوا وَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا" فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَ لَكَ، فَقَامَ فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَتْ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وَفِي مَرْجِعِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَفَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ" فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا لَنَا؟

فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

الْآيَةَ. انْتَهَى.

وَهَذَا آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ الْمُفَسِّرِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كِتَابَتِهِ فِي ١٣ ذِي الْحِجَّةِ ١٣٤٥ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ آمِينَ. بِقَلَمِ الْفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمَدٍ الْعَبْدِ اللَّهِ الْبَسَّامِ. غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ.

الفتح · ٢٩