1. السور
  2. سورة الحجرات

سورة الحجرات

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› الفتحق ‹
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾

هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِلْأَدَبِ، مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، وَاحْتِرَامِهِ، وَإِكْرَامِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ، بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، مِنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَأَنْ يَكُونُوا مَاشِينَ، خَلْفَ أَوَامِرِ اللَّهِ، مُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَ أَنْ لَا يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَقُولُوا، حَتَّى يَقُولَ، وَلَا يَأْمُرُوا، حَتَّى يَأْمُرَ، فَإِنَّ هَذَا، حَقِيقَةُ الْأَدَبِ الْوَاجِبِ، مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهُوَ عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ، وَبِفَوَاتِهِ، تَفُوتُهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَالنَّعِيمُ السَّرْمَدِيُّ، وَفِي هَذَا، النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَقْدِيمِ قَوْلِ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ، عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى اسْتَبَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَبَ اتِّبَاعُهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى غَيْرِهَا، كَائِنًا مَا كَانَ.

ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ بِتَقْوَاهُ عُمُومًا، وَهِيَ كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخْشَى عِقَابَ اللَّهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أَيْ: لِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فِي خَفِيِّ الْمَوَاضِعِ وَالْجِهَاتِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَالسَّوَابِقِ وَاللَّوَاحِقِ، وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ.

وَفِي ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ -بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَقْوَاهُ- حَثٌّ عَلَى امْتِثَالِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ الْحَسَنَةِ، وَالْآدَابِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَتَرْهِيبٌ عَنْ عَدَمِ الِامْتِثَالِ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وَهَذَا أَدَبٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي خِطَابِهِ، أَيْ: لَا يَرْفَعُ الْمُخَاطِبُ لَهُ، صَوْتَهُ مَعَهُ، فَوْقَ صَوْتِهِ، وَلَا يَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ، بَلْ يَغُضُّ الصَّوْتَ، وَيُخَاطِبُهُ بِأَدَبٍ وَلِينٍ، وَتَعْظِيمٍ وَتَكْرِيمٍ، وَإِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ، وَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ يُمَيِّزُوهُ فِي خِطَابِهِمْ، كَمَا تَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، فِي وُجُوبِ حَقِّهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَالْحُبِّ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّ فِي عَدَمِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، مَحْذُورًا، وَخَشْيَةَ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، كَمَا أَنَّ الْأَدَبَ مَعَهُ، مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الثَّوَابِ وَ قَبُولِ الْأَعْمَالِ.

ثُمَّ مَدَحَ مَنْ غَضَّ صَوْتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأَنَّ اللَّهَ امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، أَيِ: ابْتَلَاهَا وَاخْتَبَرَهَا، فَظَهَرَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ، بِأَنْ صَلَحَتْ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقْوَى، ثُمَّ وَعَدَهُمُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِهِمْ، الْمُتَضَمِّنَةَ لِزَوَالِ الشَّرِّ وَالْمَكْرُوهِ، وَالْأَجْرَ الْعَظِيمَ، الَّذِي لَا يَعْلَمُ وَصْفَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْأَجْرِ الْعَظِيمِ وُجُودُ الْمَحْبُوبِ وَفِي هَذَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ الْقُلُوبَ، بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمِحَنِ، فَمَنْ لَازَمَ أَمْرَ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ رِضَاهُ، وَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ عَلَى هَوَاهُ، تَمَحَّضَ وَتَمَحَّصَ لِلتَّقْوَى، وَصَارَ قَلْبُهُ صَالِحًا لَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّقْوَى.

الحجرات · ١–٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ، فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَفَاءِ، وَأَنَّهُمْ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، قَدِمُوا وَافِدِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدُوهُ فِي بَيْتِهِ وَحُجُرَاتِ نِسَائِهِ، فَلَمْ يَصْبِرُوا وَيَتَأَدَّبُوا حَتَّى يَخْرُجَ، بَلْ نَادَوْهُ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، أَيِ: اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَدَمِ الْعَقْلِ، حَيْثُ لَمْ يَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ الْأَدَبَ مَعَ رَسُولِهِ وَاحْتِرَامَهُ، كَمَا أَنَّ مِنَ الْعَقْلِ وَعَلَامَتِهِ اسْتِعْمَالَ الْأَدَبِ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فَأَدَبُ الْعَبْدِ، عُنْوَانُ عَقْلِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ بِهِ الْخَيْرَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: غَفُورٌ لِمَا صَدَرَ عَنْ عِبَادِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْإِخْلَالِ بِالْآدَابِ، رَحِيمٌ بِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْمَثُلَاتِ.

الحجرات · ٤–٥
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ ﴿٦﴾

وَهَذَا أَيْضًا، مِنَ الْآدَابِ الَّتِي عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، التَّأَدُّبُ بِهَا وَاسْتِعْمَالُهَا، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُمْ فَاسِقٌ بِخَبَرٍ أَنْ يَتَثَبَّتُوا فِي خَبَرِهِ، وَلَا يَأْخُذُوهُ مُجَرَّدًا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خَطَرًا كَبِيرًا، وَوُقُوعًا فِي الْإِثْمِ، فَإِنَّ خَبَرَهُ إِذَا جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الصَّادِقِ الْعَدْلِ، حُكِمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ، فَحَصَلَ مِنْ تَلَفِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، بِغَيْرِ حَقٍّ، بِسَبَبِ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّدَامَةِ، بَلِ الْوَاجِبُ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، التَّثَبُّتُ وَالتَّبَيُّنُ، فَإِنْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ وَالْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِهِ، عُمِلَ بِهِ وَصُدِّقَ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى كَذِبِهِ، كُذِّبَ، وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ مَقْبُولٌ، وَخَبَرَ الْكَاذِبِ، مَرْدُودٌ، وَخَبَرَ الْفَاسِقِ مُتَوَقَّفٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَقْبَلُونَ رِوَايَاتِ كَثِيرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، الْمَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ، وَلَوْ كَانُوا فُسَّاقًا.

الحجرات · ٦
وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾

أَيْ: لِيَكُنْ لَدَيْكُمْ مَعْلُومًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَهُوَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ، الْبَارُّ، الرَّاشِدُ، الَّذِي يُرِيدُ بِكُمُ الْخَيْرَ وَيَنْصَحُ لَكُمْ، وَتُرِيدُونَ لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الشَّرِّ وَالْمَضَرَّةِ، مَا لَا يُوَافِقُكُمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ، وَلَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَشَقَّ عَلَيْكُمْ وَأَعْنَتَكُمْ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ يُرْشِدُكُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحَبِّبُ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، وَيُزَيِّنُهُ فِي قُلُوبِكُمْ، بِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ مَحَبَّةِ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ، وَبِمَا يَنْصِبُ عَلَى الْحَقِّ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَبُولِ الْقُلُوبِ وَالْفِطَرِ لَهُ، وَبِمَا يَفْعَلُهُ تَعَالَى بِكُمْ، مِنْ تَوْفِيقِهِ لِلْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَيُكَرِّهُ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ، أَيِ: الذُّنُوبَ الْكِبَارَ، وَالْعِصْيَانَ: هِيَ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ بِمَا أَوْدَعَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ كَرَاهَةِ الشَّرِّ، وَعَدَمِ إِرَادَةِ فِعْلِهِ، وَبِمَا نَصَبَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالشَّوَاهِدِ عَلَى فَسَادِهِ، وَعَدَمِ قَبُولِ الْفِطَرِ لَهُ، وَبِمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ فِي الْقُلُوبِ لَهُ.

﴿أُولَئِكَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَيَّنَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ صَلَحَتْ عُلُومُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

وَضِدُّهُمُ الْغَاوُونَ، الَّذِينَ حُبِّبَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ، وَكُرِّهَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، وَالذَّنْبُ ذَنْبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَسَقُوا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَمَّا ﴿زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وَلَمَّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَلَّبَ اللَّهُ أَفْئِدَتَهُمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أَيْ: ذَلِكَ الْخَيْرُ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ، هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ، لَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ.

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَشْكُرُ النِّعْمَةَ، فَيُوَفِّقُهُ لَهَا، مِمَّنْ لَا يَشْكُرُهَا، وَلَا تَلِيقُ بِهِ، فَيَضَعُ فَضْلَهُ، حَيْثُ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.

الحجرات · ٧–٨
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾

هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِنَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُقَاتِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنَّهُ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَلَافَوْا هَذَا الشَّرَّ الْكَبِيرَ، بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ، وَالتَّوَسُّطِ بِذَلِكَ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ يَقَعُ بِهِ الصُّلْحُ، وَيَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الْمُوصِلَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنْ صَلَحَتَا، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِنْ ﴿بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: تَرْجِعَ إِلَى مَا حَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ، الَّذِي مِنْ أَعْظَمِهِ، الِاقْتِتَالُ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ هَذَا أَمْرٌ بِالصُّلْحِ، وَبِالْعَدْلِ فِي الصُّلْحِ، فَإِنَّ الصُّلْحَ، قَدْ يُوجَدُ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ بِالْعَدْلِ، بَلْ بِالظُّلْمِ وَالْحَيْفِ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، فَهَذَا لَيْسَ هُوَ الصُّلْحَ الْمَأْمُورَ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُرَاعَى أَحَدُهُمَا، لِقَرَابَةٍ، أَوْ وَطَنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالْأَغْرَاضِ، الَّتِي تُوجِبُ الْعُدُولَ عَنِ الْعَدْلِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أَيِ: الْعَادِلِينَ فِي حُكْمِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ وَفِي جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ، الَّتِي تَوَلَّوْهَا، حَتَّى إِنَّهُ، قَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَدْلُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَعِيَالِهِ، فِي أَدَائِهِ حُقُوقَهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا"

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هَذَا عَقْدٌ، عَقَدَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ، فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا، الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَإِنَّهُ أَخٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُخُوَّةً تُوجِبُ أَنْ يُحِبَّ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ، مَا يُحِبُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ لَهُ، مَا يَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ آمِرًا بِحُقُوقِ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ: "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ".

وَقَالَ ﷺ "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ، كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

وَلَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَبِمَا بِهِ يَحْصُلُ التَّآلُفُ وَالتَّوَادُدُ، وَالتَّوَاصُلُ بَيْنَهُمْ، كُلُّ هَذَا، تَأْيِيدٌ لِحُقُوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ، إِذَا وَقَعَ الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمْ، الْمُوجِبُ لِتَفَرُّقِ الْقُلُوبِ وَتَبَاغُضِهَا وَتَدَابُرِهَا، فَلْيُصْلِحِ الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَ إِخْوَانِهِمْ، وَلْيَسْعَوْا فِيمَا بِهِ يَزُولُ شَنَآنُهُمْ.

ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى عُمُومًا، وَرَتَّبَ عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِتَقْوَى اللَّهِ، الرَّحْمَةَ فَقَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وَإِذَا حَصَلَتِ الرَّحْمَةُ، حَصَلَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَعْظَمِ حَوَاجِبِ الرَّحْمَةِ.

وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنَ الْفَوَائِدِ، غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الِاقْتِتَالَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَافٍ لِلْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَلِهَذَا، كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ، وَالْأُخُوَّةَ الْإِيمَانِيَّةَ، لَا تَزُولُ مَعَ وُجُودِ الْقِتَالِ كَغَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الْكِبَارِ، الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ، وَعَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَدْلِ، وَعَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْبُغَاةِ، حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا، لِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ، بِأَنْ رَجَعُوا عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ وَالْتِزَامُهُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ وَقْتَ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ خَاصَّةً، دُونَ أَمْوَالِهِمْ.

الحجرات · ٩–١٠
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَٰبِ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴿١١﴾

وَهَذَا أَيْضًا، مِنْ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَنْ ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ بِكُلِّ كَلَامٍ، وَقَوْلٍ، وَفِعْلٍ دَالٍّ عَلَى تَحْقِيرِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، لَا يَجُوزُ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى إِعْجَابِ السَّاخِرِ بِنَفْسِهِ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ الْمَسْخُورُ بِهِ خَيْرًا مِنَ السَّاخِرِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ وَالْوَاقِعُ، فَإِنَّ السُّخْرِيَةَ، لَا تَقَعُ إِلَّا مِنْ قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، مُتَحَلٍّ بِكُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ"

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَعِبْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاللَّمْزُ: بِالْقَوْلِ، وَالْهَمْزُ: بِالْفِعْلِ، وَكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَرَامٌ، مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالنَّارِ.

كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ الْآيَةَ، وَسُمِّيَ الْأَخُ الْمُؤْمِنُ نَفْسًا لِأَخِيهِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَكَذَا حَالُهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا هَمَزَ غَيْرَهُ، أَوْجَبَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَهْمِزَهُ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ.

﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أَيْ: لَا يُعَيِّرْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، وَيُلَقِّبْهُ بِلَقَبِ ذَمٍّ يَكْرَهُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ التَّنَابُزُ، وَأَمَّا الْأَلْقَابُ غَيْرُ الْمَذْمُومَةِ، فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا.

﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أَيْ: بِئْسَمَا تَبَدَّلْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ، بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، بِاسْمِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، الَّذِي هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ.

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ، أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَخْرُجَ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، بِاسْتِحْلَالِهِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالْمَدْحِ لَهُ مُقَابَلَةً عَلَى ذَمِّهِ.

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فَالنَّاسُ قِسْمَانِ: ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ غَيْرُ تَائِبٍ، وَتَائِبٌ مُفْلِحٌ، وَلَا ثَمَّ قِسْمٌ ثَالِثٌ غَيْرُهُمَا.

الحجرات · ١١
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴿١٢﴾

نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ السَّوْءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَـ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وَذَلِكَ، كَالظَّنِّ الْخَالِي مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْقَرِينَةِ، وَكَظَنِّ السَّوْءِ، الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّ بَقَاءَ ظَنِّ السَّوْءِ بِالْقَلْبِ، لَا يَقْتَصِرُ صَاحِبُهُ عَلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ لَا يَزَالُ بِهِ، حَتَّى يَقُولَ مَا لَا يَنْبَغِي، وَيَفْعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا، إِسَاءَةُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَبُغْضُهُ، وَعَدَاوَتُهُ الْمَأْمُورِ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْهُ.

﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أَيْ: لَا تُفَتِّشُوا عَنْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوهَا، وَاتْرُكُوا الْمُسْلِمَ عَلَى حَالِهِ، وَاسْتَعْمِلُوا التَّغَافُلَ عَنْ أَحْوَالِهِ الَّتِي إِذَا فُتِّشَتْ، ظَهَرَ مِنْهَا مَا لَا يَنْبَغِي. ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وَالْغِيبَةُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ "

ثُمَّ ذَكَرَ مَثَلًا مُنَفِّرًا عَنِ الْغِيبَةِ، فَقَالَ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ شَبَّهَ أَكْلَ لَحْمِهِ مَيْتًا، الْمَكْرُوهَ لِلنُّفُوسِ غَايَةَ الْكَرَاهَةِ، بِاغْتِيَابِهِ، فَكَمَا أَنَّكُمْ تَكْرَهُونَ أَكْلَ لَحْمِهِ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ مَيْتًا، فَاقِدَ الرُّوحِ، فَكَذَلِكَ، فَلْتَكْرَهُوا غِيبَتَهُ، وَأَكْلَ لَحْمِهِ حَيًّا.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ وَالتَّوَّابُ، الَّذِي يَأْذَنُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، فَيُوَفِّقُهُ لَهَا، ثُمَّ يَتُوبُ عَلَيْهِ، بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى مَا يَنْفَعُهُمْ، وَقَبِلَ مِنْهُمُ التَّوْبَةَ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ، دَلِيلٌ عَلَى التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ الْغِيبَةِ، وَأَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ شَبَّهَهَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتِ، وَذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ.

الحجرات · ١٢
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ، مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَجِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّهُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَيَرْجِعُونَ جَمِيعُهُمْ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَفَرَّقَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ أَيْ: قَبَائِلَ صِغَارًا وَكِبَارًا، وَذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَعَارَفُوا، فَإِنَّهُمْ لَوِ اسْتَقَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ، التَّعَارُفُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّنَاصُرُ وَالتَّعَاوُنُ، وَالتَّوَارُثُ، وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْأَقَارِبِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ، لِأَجْلِ أَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الْأُمُورُ وَغَيْرُهَا، مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّعَارُفِ، وَلُحُوقِ الْأَنْسَابِ، وَلَكِنَّ الْكَرَمَ بِالتَّقْوَى، فَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، أَتْقَاهُمْ، وَهُوَ أَكْثَرُهُمْ طَاعَةً وَانْكِفَافًا عَنِ الْمَعَاصِي، لَا أَكْثَرُهُمْ قَرَابَةً وَقَوْمًا، وَلَا أَشْرَفُهُمْ نَسَبًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِيمٌ خَبِيرٌ، يَعْلَمُ مَنْ يَقُومُ مِنْهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مِمَّنْ يَقُومُ بِذَلِكَ، ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَنْسَابِ، مَطْلُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ، لِأَجْلِ ذَلِكَ.

الحجرات · ١٣
قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَٰلِكُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ﴿١٥﴾ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٦﴾ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَٰمَكُم بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَٰنِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿١٧﴾ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٨﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مَقَالَةِ الْأَعْرَابِ، الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دُخُولًا مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، وَلَا قِيَامٍ بِمَا يَجِبُ وَيَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ، أَنَّهُمُ ادَّعَوْا مَعَ هَذَا وَقَالُوا: آمَنَّا أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا مُسْتَوْفِيًا لِجَمِيعِ أُمُورِهِ هَذَا مُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ، أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَدَّعُوا لِأَنْفُسِكُمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا، كَامِلًا.

﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيْ: دَخَلْنَا فِي الْإِسْلَامِ، وَاقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ.

﴿وَ﴾ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُ ﴿لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وَإِنَّمَا آمَنْتُمْ خَوْفًا، أَوْ رَجَاءً، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ السَّبَبُ فِي إِيمَانِكُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ بَشَاشَةُ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: وَقْتَ هَذَا الْكَلَامِ، الَّذِي صَدَرَ مِنْكُمْ فَكَانَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَحْوَالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بِفِعْلِ خَيْرٍ، أَوْ تَرْكِ شَرٍّ ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أَيْ: لَا يَنْقُصْكُمْ مِنْهَا، مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ يُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، أَكْمَلَ مَا تَكُونُ لَا تَفْقِدُونَ مِنْهَا، صَغِيرًا، وَلَا كَبِيرًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ، رَحِيمٌ بِهِ، حَيْثُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: عَلَى الْحَقِيقَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مَنْ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّ مَنْ جَاهَدَ الْكُفَّارَ، دَلَّ ذَلِكَ، عَلَى الْإِيمَانِ التَّامِّ فِي الْقَلْبِ، لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ غَيْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ بِشَرَائِعِهِ، فَجِهَادُهُ لِنَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى الْجِهَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ، وَشَرَطَ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ عَدَمَ الرَّيْبِ، وَهُوَ الشَّكُّ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ النَّافِعَ هُوَ الْجَزْمُ الْيَقِينِيُّ، بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْجَمِيلَةِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ، دَعْوَى كَبِيرَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُدَّعَى يَحْتَاجُ صَاحِبُهُ إِلَى حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ، دَعْوَى الْإِيمَانِ، الَّذِي هُوَ مَدَارُ السَّعَادَةِ، وَالْفَوْزِ الْأَبَدِيِّ، وَالْفَلَاحِ السَّرْمَدِيِّ، فَمَنِ ادَّعَاهُ، وَقَامَ بِوَاجِبَاتِهِ، وَلَوَازِمِهِ، فَهُوَ الصَّادِقُ الْمُؤْمِنُ حَقًّا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَادِقٍ فِي دَعْوَاهُ، وَلَيْسَ لِدَعْوَاهُ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.

فَإِثْبَاتُهُ وَنَفْيُهُ، مِنْ بَابِ تَعْلِيمِ اللَّهِ بِمَا فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ، وَظَنٌّ بِاللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَهَذَا شَامِلٌ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا، مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرَانِ، وَالْبِرِّ وَالْفُجُورِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى، يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُجَازِي عَلَيْهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

هَذِهِ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْإِيمَانَ، وَلَيْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلَّهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ، الْمِنَّةَ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ بَذَلُوا لَهُ وَتَبَرَّعُوا بِمَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ، بَلْ هُوَ مِنْ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَذَا تَجَمُّلٌ بِمَا لَا يَجْمُلُ، وَفَخْرٌ بِمَا لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْتَخِرُوا عَلَى رَسُولِهِ بِهِ فَإِنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ، وَالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَمِنَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِهِدَايَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمِنَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ، أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيِ: الْأُمُورَ الْخَفِيَّةَ فِيهِمَا، الَّتِي تَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ، كَالَّذِي فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، وَمَهَامِهِ الْقِفَارِ، وَمَا جَنَّهُ اللَّيْلُ أَوْ وَارَاهُ النَّهَارُ، يَعْلَمُ قَطَرَاتِ الْأَمْطَارِ، وَحَبَّاتِ الرِّمَالِ، وَمَكْنُونَاتِ الصُّدُورِ، وَخَبَايَا الْأُمُورِ.

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ، وَيُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا بِمَا تَقْتَضِيهِ رَحْمَتُهُ الْوَاسِعَةُ، وَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ.

الحجرات · ١٤–١٨