هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِلْأَدَبِ، مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، وَاحْتِرَامِهِ، وَإِكْرَامِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ، بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، مِنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَأَنْ يَكُونُوا مَاشِينَ، خَلْفَ أَوَامِرِ اللَّهِ، مُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَ أَنْ لَا يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَقُولُوا، حَتَّى يَقُولَ، وَلَا يَأْمُرُوا، حَتَّى يَأْمُرَ، فَإِنَّ هَذَا، حَقِيقَةُ الْأَدَبِ الْوَاجِبِ، مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهُوَ عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ، وَبِفَوَاتِهِ، تَفُوتُهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَالنَّعِيمُ السَّرْمَدِيُّ، وَفِي هَذَا، النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَقْدِيمِ قَوْلِ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ، عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى اسْتَبَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَبَ اتِّبَاعُهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى غَيْرِهَا، كَائِنًا مَا كَانَ.
ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ بِتَقْوَاهُ عُمُومًا، وَهِيَ كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخْشَى عِقَابَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أَيْ: لِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فِي خَفِيِّ الْمَوَاضِعِ وَالْجِهَاتِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَالسَّوَابِقِ وَاللَّوَاحِقِ، وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ.
وَفِي ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ -بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَقْوَاهُ- حَثٌّ عَلَى امْتِثَالِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ الْحَسَنَةِ، وَالْآدَابِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَتَرْهِيبٌ عَنْ عَدَمِ الِامْتِثَالِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وَهَذَا أَدَبٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي خِطَابِهِ، أَيْ: لَا يَرْفَعُ الْمُخَاطِبُ لَهُ، صَوْتَهُ مَعَهُ، فَوْقَ صَوْتِهِ، وَلَا يَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ، بَلْ يَغُضُّ الصَّوْتَ، وَيُخَاطِبُهُ بِأَدَبٍ وَلِينٍ، وَتَعْظِيمٍ وَتَكْرِيمٍ، وَإِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ، وَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ يُمَيِّزُوهُ فِي خِطَابِهِمْ، كَمَا تَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، فِي وُجُوبِ حَقِّهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَالْحُبِّ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّ فِي عَدَمِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، مَحْذُورًا، وَخَشْيَةَ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، كَمَا أَنَّ الْأَدَبَ مَعَهُ، مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الثَّوَابِ وَ قَبُولِ الْأَعْمَالِ.
ثُمَّ مَدَحَ مَنْ غَضَّ صَوْتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأَنَّ اللَّهَ امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، أَيِ: ابْتَلَاهَا وَاخْتَبَرَهَا، فَظَهَرَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ، بِأَنْ صَلَحَتْ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقْوَى، ثُمَّ وَعَدَهُمُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِهِمْ، الْمُتَضَمِّنَةَ لِزَوَالِ الشَّرِّ وَالْمَكْرُوهِ، وَالْأَجْرَ الْعَظِيمَ، الَّذِي لَا يَعْلَمُ وَصْفَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْأَجْرِ الْعَظِيمِ وُجُودُ الْمَحْبُوبِ وَفِي هَذَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ الْقُلُوبَ، بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمِحَنِ، فَمَنْ لَازَمَ أَمْرَ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ رِضَاهُ، وَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ عَلَى هَوَاهُ، تَمَحَّضَ وَتَمَحَّصَ لِلتَّقْوَى، وَصَارَ قَلْبُهُ صَالِحًا لَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّقْوَى.