1. السور
  2. سورة المجادلة

سورة المجادلة

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› الحديدالحشر ‹
قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ﴿١﴾ ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٣﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤﴾

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ اشْتَكَتْهُ زَوْجَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَجَادَلَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، بَعْدَ الصُّحْبَةِ الطَّوِيلَةِ، وَالْأَوْلَادِ، وَكَانَ هُوَ رَجُلًا شَيْخًا كَبِيرًا، فَشَكَتْ حَالَهَا وَحَالَهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَرَّرَتْ ذَلِكَ، وَأَبْدَتْ فِيهِ وَأَعَادَتْ.

فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أَيْ: تَخَاطُبَكُمَا فِيمَا بَيْنَكُمَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ، فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ.

﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ كَمَالِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَإِحَاطَتِهِمَا بِالْأُمُورِ الدَّقِيقَةِ وَالْجَلِيلَةِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُزِيلُ شَكْوَاهَا، وَيَرْفَعُ بَلْوَاهَا، وَلِهَذَا ذَكَرَ حُكْمَهَا، وَحُكْمَ غَيْرِهَا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ الْمُظَاهَرَةُ مِنَ الزَّوْجَةِ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: "أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي" أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَحَارِمِهِ، أَوْ "أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ" وَكَانَ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا لَفْظَ "الظَّهْرِ" وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ "ظِهَارًا" فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ أَيْ: كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَيُشَبِّهُونَ أَزْوَاجَهُمْ بِأُمَّهَاتِهِمُ اللَّاتِي وَلَدْنَهُمْ؟ وَلِهَذَا عَظَّمَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَقَبَّحَهُ، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أَيْ: قَوْلًا شَنِيعًا، ﴿وَزُورًا﴾ أَيْ: كَذِبًا.

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ عَمَّنْ صَدَرَ مِنْهُ بَعْضُ الْمُخَالَفَاتِ، فَتَدَارَكَهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ.

﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْعَوْدِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْعَزْمُ عَلَى جِمَاعِ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ عَزْمِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْكَفَّارَةِ أَنَّهَا تَكُونُ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَقِيقَةُ الْوَطْءِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وَالَّذِي قَالُوا إِنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ.

وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ ﴿فَـ﴾ إِذَا وُجِدَ الْعَوْدُ، صَارَ كَفَّارَةُ هَذَا التَّحْرِيمِ ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُؤْمِنَةٍ كَمَا قُيِّدَتْ فِي آيَةٍ أُخْرَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ.

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أَيْ: يَلْزَمُ الزَّوْجَ أَنْ يَتْرُكَ وَطْءَ زَوْجَتِهِ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ بِرَقَبَةٍ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَكُمْ، ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أَيْ: يُبَيَّنُ لَكُمْ حُكْمُهُ مَعَ التَّرْهِيبِ الْمَقْرُونِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْوَعْظِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَالَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُظَاهِرَ، إِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، بِأَنْ لَمْ يَجِدْهَا أَوْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهَا ﴿فَـ﴾ عَلَيْهِ ﴿صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصِّيَامَ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ إِمَّا بِأَنْ يُطْعِمَهُمْ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ مَا يَكْفِيهِمْ، كَمَا هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ أُخْرَى.

ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ لَكُمْ، وَوَضَّحْنَاهُ لَكُمْ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَذَلِكَ بِالْتِزَامِ هَذَا الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّ الْتِزَامَ أَحْكَامِ اللَّهِ، وَالْعَمَلَ بِهَا مِنَ الْإِيمَانِ، بَلْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَمِمَّا يَزِيدُ بِهِ الْإِيمَانُ وَيَكْمُلُ وَيَنْمُو.

﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا تُتَعَدَّى وَلَا يُقَصَّرَ عَنْهَا.

﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ، عِدَّةُ أَحْكَامٍ:

مِنْهَا: لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِهِمْ، حَيْثُ ذَكَرَ شَكْوَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمُصَابَةِ، وَأَزَالَهَا وَرَفَعَ عَنْهَا الْبَلْوَى، بَلْ رَفَعَ الْبَلْوَى بِحُكْمِهِ الْعَامِّ لِكُلِّ مَنِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الظِّهَارَ مُخْتَصٌّ بِتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فَلَوْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظِهَارًا، بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَقَطْ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنَ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي نِسَائِهِ وَقْتَ الظِّهَارِ، كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهَا، سَوَاءٌ نَجَّزَ ذَلِكَ أَوْ عَلَّقَهُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الظِّهَارَ مُحَرَّمٌ، لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا.

وَمِنْهَا: تَنْبِيهُ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ وَحِكْمَتِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُنَادِيَ زَوْجَتَهُ وَيُسَمِّيَهَا بِاسْمِ مَحَارِمِهِ، كَقَوْلِهِ " يَا أُمِّي " " يَا أُخْتِي " وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالْعَوْدِ لِمَا قَالَ الْمُظَاهِرُ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، لَا بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الرَّقَبَةِ، الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُهَا إِنْ كَانَتْ عِتْقًا أَوْ صِيَامًا قَبْلَ الْمَسِيسِ، كَمَا قَيَّدَهُ اللَّهُ. بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْإِطْعَامِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمَسِيسُ وَالْوَطْءُ فِي أَثْنَائِهَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، أَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لِإِخْرَاجِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَاقَ إِلَى الْجِمَاعِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْكَفَّارَةِ، بَادَرَ لِإِخْرَاجِهَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَلَوْ جَمَعَ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَدَفَعَهَا لِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، دُونَ السِّتِّينَ لَمْ يُجْزِ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾

المجادلة · ١–٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥﴾

مُحَادَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: مُخَالَفَتُهُمَا وَمَعْصِيَتُهُمَا خُصُوصًا فِي الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ، كَمُحَادَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْكُفْرِ، وَمُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: أُذِلُّوا وَأُهِينُوا كَمَا فُعِلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ، جَزَاءً وِفَاقًا.

وَلَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَامَتْ حُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْخَلْقِ، وَقَدْ أَنْزَلَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينِ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَائِقَ وَيُوَضِّحُ الْمَقَاصِدَ، فَمَنِ اتَّبَعَهَا وَعَمِلَ عَلَيْهَا، فَهُوَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ الْفَائِزِينَ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بِهَا ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ: يُهِينُهُمْ وَيُذِلُّهُمْ، كَمَا تَكَبَّرُوا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، أَهَانَهُمُ اللَّهُ وَأَذَلَّهُمْ.

المجادلة · ٥
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴿٦﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧﴾

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ جَمِيعًا "فَيَقُومُونَ مِنْ أَجْدَاثِهِمْ سَرِيعًا" فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ، وَكَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ الْكِرَامَ الْحَفَظَةَ بِكِتَابَتِهِ، هَذَا ﴿وَ﴾ الْعَامِلُونَ قَدْ نَسُوا مَا عَمِلُوهُ، وَاللَّهُ أَحْصَى ذَلِكَ.

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ، وَالْخَبَايَا وَالْخَفَايَا.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وَلِهَذَا أَخْبَرَ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ.

وَأَنَّهُ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ بِمَا تَنَاجَوْا بِهِ وَأَسَرُّوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:

المجادلة · ٦–٧
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿٨﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩﴾

النَّجْوَى هِيَ: التَّنَاجِي بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْخَيْرِ، وَتَكُونُ فِي الشَّرِّ.

فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ، وَقِيَامٌ بِحَقٍّ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ وَالتَّقْوَى، وَهِيَ هُنَا: اسْمٌ جَامِعٌ لِتَرْكِ جَمِيعِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، فَالْمُؤْمِنُ يَمْتَثِلُ هَذَا الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ، فَلَا تَجِدُهُ مُنَاجِيًا وَمُتَحَدِّثًا إِلَّا بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ، وَيُبَاعِدُهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَالْفَاجِرُ يَتَهَاوَنُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيُنَاجِي بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هَذَا دَأْبُهُمْ وَحَالُهُمْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ.

قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أَيْ: يُسِيئُونَ الْأَدَبَ مَعَكَ فِي تَحِيَّتِهِمْ لَكَ، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: يُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ عَنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِذَلِكَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِعَدَمِ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، أَنَّ مَا يَقُولُونَ غَيْرُ مَحْذُورٍ، قَالَ تَعَالَى فِي بَيَانِ أَنَّهُ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: تَكْفِيهِمْ جَهَنَّمُ الَّتِي جَمَعَتْ كُلَّ شَقَاءٍ وَعَذَابٍ عَلَيْهِمْ، تُحِيطُ بِهِمْ، وَيُعَذَّبُونَ بِهَا ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ إِمَّا أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ، وَيُخَاطِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذَا الْخِطَابِ الَّذِي يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ خَيْرًا وَهُمْ كَذَبَةٌ فِي ذَلِكَ، وَإِمَّا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا: "السَّامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ" يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْمَوْتَ.

المجادلة · ٨–٩
إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ أَيْ: تَنَاجِي أَعْدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ، بِالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، وَطَلَبِ السُّوءِ مِنَ الشَّيْطَانِ، الَّذِي كَيْدُهُ ضَعِيفٌ وَمَكْرُهُ غَيْرُ مُفِيدٍ.

﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذَا غَايَةُ هَذَا الْمَكْرِ وَمَقْصُودُهُ، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكِفَايَةِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فَأَعْدَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، مَهْمَا تَنَاجَوْا وَمَكَرُوا، فَإِنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَضُرُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا شَيْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: لِيَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ وَيَثِقُوا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ، وَتَوَلَّى أَمْرَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

المجادلة · ١٠
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١﴾

هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، إِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ مُجْتَمَعَاتِهِمْ، وَاحْتَاجَ بَعْضُهُمْ أَوْ بَعْضُ الْقَادِمِينَ عَلَيْهِمْ لِلتَّفَسُّحِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَفْسَحُوا لَهُ تَحْصِيلًا لِهَذَا الْمَقْصُودِ.

وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَارٍّ لِلْجَالِسِ شَيْئًا، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ هُوَ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَإِنَّ مَنْ فَسَحَ فَسَحَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ وَسَّعَ لِأَخِيهِ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أَيِ: ارْتَفِعُوا وَتَنَحَّوْا عَنْ مَجَالِسِكُمْ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ، ﴿فَانْشُزُوا﴾ أَيْ: فَبَادِرُوا لِلْقِيَامِ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّ الْقِيَامَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَرْفَعُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ مَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ، مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ زِينَتَهُ وَثَمَرَتَهُ التَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ.

المجادلة · ١١
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٢﴾ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٣﴾

يَأْمُرُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّدَقَةِ، أَمَامَ مُنَاجَاةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَأْدِيبًا لَهُمْ وَتَعْلِيمًا، وَتَعْظِيمًا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْظِيمَ، خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَطْهَرُ أَيْ: بِذَلِكَ يَكْثُرُ خَيْرُكُمْ وَأَجْرُكُمْ، وَتَحْصُلُ لَكُمُ الطَّهَارَةُ مِنَ الْأَدْنَاسِ، الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا تَرْكُ احْتِرَامِ الرَّسُولِ ﷺ وَالْأَدَبِ مَعَهُ بِكَثْرَةِ الْمُنَاجَاةِ الَّتِي لَا ثَمَرَةَ تَحْتَهَا، فَإِنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاتِهِ صَارَ هَذَا مِيزَانًا لِمَنْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يُبَالِي بِالصَّدَقَةِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِرْصٌ وَلَا رَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ مُجَرَّدُ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، فَيَنْكَفُّ بِذَلِكَ عَنِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى الرَّسُولِ، هَذَا فِي الْوَاجِدِ لِلصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَجِدُ الصَّدَقَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ الْأَمْرَ، بَلْ عَفَا عَنْهُ وَسَامَحَهُ، وَأَبَاحَ لَهُ الْمُنَاجَاةَ، بِدُونِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا.

ثُمَّ لَمَّا رَأَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَفَقَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَشَقَّةَ الصَّدَقَاتِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ كُلِّ مُنَاجَاةٍ، سَهَّلَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنَاجَاةِ، وَبَقِيَ التَّعْظِيمُ لِلرَّسُولِ وَالِاحْتِرَامُ بِحَالِهِ لَمْ يُنْسَخْ، لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ بَابِ الْمَشْرُوعِ لِغَيْرِهِ، لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْأَدَبُ مَعَ الرَّسُولِ وَالْإِكْرَامُ لَهُ، وَأَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ يَقُومُوا بِالْمَأْمُورَاتِ الْكِبَارِ الْمَقْصُودَةِ بِنَفْسِهَا، فَقَالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَهُنْ عَلَيْكُمْ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ، وَلَا يَكْفِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ هَيِّنًا عَلَى الْعَبْدِ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: عَفَا لَكُمْ عَنْ ذَلِكَ، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا، وَجَمِيعِ حُدُودِهَا وَلَوَازِمِهَا، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ فِي أَمْوَالِكُمْ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا.

وَهَاتَانِ الْعِبَادَتَانِ هُمَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، فَقَدْ قَامَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَهَذَا أَشْمَلُ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَوَامِرِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِمَا وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِمَا، وَتَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَا بِهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ.

وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَيَعْلَمُ تَعَالَى أَعْمَالَهُمْ، وَعَلَى أَيِّ: وَجْهٍ صَدَرَتْ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَا فِي صُدُورِهِمْ.

المجادلة · ١٢–١٣
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤﴾ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿١٦﴾ لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿١٧﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ﴿١٨﴾ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَٰنِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَٰنِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴿١٩﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَنَاعَةِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْكَافِرِينَ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنَالُوا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ أَوْفَى نَصِيبٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا مِنَ الْكَافِرِينَ، ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾

فَلَيْسُوا مُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَنَّ بَاطِنَهُمْ مَعَ الْكُفَّارِ، وَلَا مَعَ الْكُفَّارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّ ظَاهِرَهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا وَصْفُهُمُ الَّذِي نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ عَلَى ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْكَذِبُ، فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ. فَجَزَاءُ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَةِ الْفَجَرَةِ الْكَذَبَةِ، أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَلَا يُعْلَمُ وَصْفُهُ، إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، حَيْثُ عَمِلُوا بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَيُوجِبُ عَلَيْهِمُ الْعُقُوبَةَ وَاللَّعْنَةَ. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أَيْ: تُرْسًا وَوِقَايَةً، يَتَّقُونَ بِهَا مِنْ لَوْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ صَدُّوا أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِيَ الصِّرَاطُ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ أَفْضَى بِهِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَمَنْ صَدَّ عَنْهُ فَلَيْسَ إِلَّا الصِّرَاطُ الْمُوصِلُ إِلَى الْجَحِيمِ، ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالِانْقِيَادِ لِآيَاتِهِ، أَهَانَهُمْ بِالْعَذَابِ السَّرْمَدِيِّ، الَّذِي لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَلَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ، وَلَا تُحَصِّلُ لَهُمْ قِسْطًا مِنَ الثَّوَابِ، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الْمُلَازِمُونَ لَهَا، الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا، وَ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وَمَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ. فَكَمَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا يُمَوِّهُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْلِفُونَ لَهُمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَبَعَثَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا، حَلَفُوا لِلَّهِ كَمَا حَلَفُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْسَبُونَ فِي حَلِفِهِمْ هَذَا أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ كُفْرَهُمْ وَنِفَاقَهُمْ وَعَقَائِدَهُمُ الْبَاطِلَةَ، لَمْ تَزَلْ تَرْسَخُ فِي أَذْهَانِهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى غَرَّتْهُمْ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَيُعَلَّقُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَذِبَ لَا يَرُوجُ عَلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. وَهَذَا الَّذِي جَرَى عَلَيْهِمْ مِنَ اسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، وَهُوَ الْعَدُوُّ الْمُبِينُ، الَّذِي لَا يُرِيدُ بِهِمْ إِلَّا الشَّرَّ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.

المجادلة · ١٤–١٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ﴿٢٠﴾ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿٢١﴾

هَذَا وَعْدٌ وَوَعِيدٌ، وَعِيدٌ لِمَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، أَنَّهُ مَخْذُولٌ مَذْلُولٌ، لَا عَاقِبَةَ لَهُ حَمِيدَةٌ، وَلَا رَايَةَ لَهُ مَنْصُورَةٌ.

وَوَعْدٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَبِرُسُلِهِ، وَاتَّبَعَ مَا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ، فَصَارَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ، أَنَّ لَهُمُ الْفَتْحَ وَالنَّصْرَ وَالْغَلَبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا وَعْدٌ لَا يُخْلَفُ وَلَا يُغَيَّرُ، فَإِنَّهُ مِنَ الصَّادِقِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ.

المجادلة · ٢٠–٢١
لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٢٢﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ هَذَا وَهَذَا، فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَقِيقَةً، إِلَّا كَانَ عَامِلًا عَلَى مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ، مِنْ مَحَبَّةِ مَنْ قَامَ بِالْإِيمَانِ وَمُوَالَاتِهِ، وَبُغْضِ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَمُعَادَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ.

وَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، الَّذِي وُجِدَتْ ثَمَرَتُهُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَأَهْلُ هَذَا الْوَصْفِ هُمُ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ أَيْ: رَسَمَهُ وَثَبَّتَهُ وَغَرَسَهُ غَرْسًا، لَا يَتَزَلْزَلُ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الشُّبَهُ وَالشُّكُوكُ.

وَهُمُ الَّذِينَ قَوَّاهُمُ اللَّهُ بِرُوحٍ مِنْهُ أَيْ: بِوَحْيِهِ، وَمَعُونَتِهِ، وَمَدَدِهِ الْإِلَهِيِّ وَإِحْسَانِهِ الرَّبَّانِيِّ.

وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمُ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، الَّتِي فِيهَا مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَتَخْتَارُ، وَلَهُمْ أَكْبَرُ النَّعِيمِ وَأَفْضَلُهُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يُحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانَهُ فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيَرْضَوْنَ عَنْ رَبِّهِمْ بِمَا يُعْطِيهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَوَافِرِ الْمَثُوبَاتِ، وَجَزِيلِ الْهِبَاتِ، وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ فَوْقَ مَا أَعْطَاهُمْ مَوْلَاهُمْ غَايَةً، وَلَا فَوْقَهُ نِهَايَةً.

وَأَمَّا مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُوَادٌّ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ، مُحِبٌّ لِمَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا إِيمَانٌ زَعْمِيٌّ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بُرْهَانٍ يُصَدِّقُهُ، فَمُجَرَّدُ الدَّعْوَى، لَا تُفِيدُ شَيْئًا وَلَا يُصَدَّقُ صَاحِبُهَا.

المجادلة · ٢٢