إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى ﴿سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ﴾ وَهُمْ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، وَقْتَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَفَرُوا بِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ هَادَنَ سَائِرَ طَوَائِفِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُهُ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِهَا، خَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَلَّمَهُمْ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الْكِلَابِيَّيْنِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَقَالُوا: نَفْعَلُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى نَقْضِيَ حَاجَتَكَ، فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الشَّقَاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذِهِ الرَّحَى فَيَصْعَدُ فَيُلْقِيهَا عَلَى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِهَا؟ فَقَالَ أَشْقَاهُمْ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ: أَنَا، فَقَالَ لَهُمْ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لَا تَفْعَلُوا، فَوَاللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ، وَإِنَّهُ لَنَقْضُ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَجَاءَ الْوَحْيُ عَلَى الْفَوْرِ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، بِمَا هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ مُسْرِعًا، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: نَهَضْتَ وَلَمْ نَشْعُرْ بِكَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا هَمَّتْ يَهُودُ بِهِ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنِ اخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ"
فَأَقَامُوا أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ: "أَنْ لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، فَإِنَّ مَعِي أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ، فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ".
وَطَمِعَ رَئِيسُهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِيمَا قَالَ لَهُ، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ.
فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللِّوَاءَ.
فَأَقَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ، وَخَانَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ وَحَرَّقَ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: نَحْنُ نَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا بِنُفُوسِهِمْ، وَذَرَارِيِّهِمْ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ إِلَّا السِّلَاحَ، وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ.
وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ، خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخَمِّسْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى خَيْبَرَ وَفِيهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ كَبِيرُهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ، وَقَبَضَ السِّلَاحَ، فَوَجَدَ مِنَ السِّلَاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً، وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، هَذَا حَاصِلُ قِصَّتِهِمْ كَمَا ذَكَرَهَا أَهْلُ السِّيَرِ.
فَافْتَتَحَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ بِالْإِخْبَارِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهَا، وَتُنَزِّهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَتَعْبُدُهُ وَتَخْضَعُ لِجَلَالِهِ لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ مُسْتَعْصِي الْحَكِيمُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئًا عَبَثًا، وَلَا يَشْرَعُ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا هُوَ مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ، نَصْرُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ غَدَرُوا بِرَسُولِهِ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمُ الَّتِي أَلِفُوهَا وَأَحَبُّوهَا.
وَكَانَ إِخْرَاجُهُمْ مِنْهَا أَوَّلَ حَشْرٍ وَجَلَاءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى يَدِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجَلَوْا إِلَى خَيْبَرَ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ لَهُمْ حَشْرًا وَجَلَاءً غَيْرَ هَذَا، فَقَدْ وَقَعَ حِينَ أَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَخْرَجَ بَقِيَّتَهُمْ مِنْهَا.
﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ مِنْ دِيَارِهِمْ، لِحَصَانَتِهَا، وَمَنَعَتِهَا، وَعِزِّهِمْ فِيهَا.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فَأُعْجِبُوا بِهَا وَغَرَّتْهُمْ، وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ لَا يُنَالُونَ بِهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَقَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لَا تُغْنِي عَنْهُ الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَلَا تُجْدِي فِيهِمُ الْقُوَّةُ وَالدِّفَاعُ.
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: مِنَ الْأَمْرِ وَالْبَابِ، الَّذِي لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ أَنْ يُؤْتَوْا مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى ﴿قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ، الَّذِي هُوَ جُنْدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ، وَلَا قُوَّةٌ وَلَا شِدَّةٌ، فَالْأَمْرُ الَّذِي يَحْتَسِبُونَهُ وَيَظُنُّونَ أَنَّ الْخَلَلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ إِنْ دَخَلَ هُوَ الْحُصُونُ الَّتِي تَحَصَّنُوا بِهَا، وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا، وَمَنْ وَثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَخْذُولٌ، وَمَنْ رَكَنَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ عَلَيْهِ وَبَالٌ، فَأَتَاهُمْ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ نَزَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، أَوِ الْخَوَرِ وَالضَّعْفِ، فَأَزَالَ اللَّهُ قُوَّتَهَا وَشِدَّتَهَا، وَأَوْرَثَهَا ضَعْفًا وَخَوَرًا وَجُبْنًا، لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَلَا مَنَعَةَ مَعَهُ، فَصَارَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ.
فَنَقَضُوا لِذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ سُقُوفِهِمْ، الَّتِي اسْتَحْسَنُوهَا، وَسَلَّطُوا الْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ عَلَى إِخْرَابِ دِيَارِهِمْ وَهَدْمِ حُصُونِهِمْ، فَهُمُ الَّذِينَ جَنَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَصَارُوا مِنْ أَكْبَرِ عَوْنٍ عَلَيْهَا، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَيِ: الْبَصَائِرِ النَّافِذَةِ، وَالْعُقُولِ الْكَامِلَةِ، فَإِنَّ فِي هَذَا مُعْتَبَرًا يُعْرَفُ بِهِ صُنْعُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُعَانِدِينَ لِلْحَقِّ، الْمُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمْ، الَّذِينَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ عِزَّتُهُمْ، وَلَا مَنَعَتْهُمْ قُوَّتُهُمْ، وَلَا حَصَّنَتْهُمْ حُصُونُهُمْ، حِينَ جَاءَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ النَّكَالُ بِذُنُوبِهِمْ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ، وَقِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى مِثْلِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحْكَامُ مِنَ الْمَعَانِي وَالْحِكَمِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْعَقْلِ وَالْفِكْرَةِ، وَبِذَلِكَ يَزْدَادُ الْعَقْلُ، وَتَتَنَوَّرُ الْبَصِيرَةُ وَيَزْدَادُ الْإِيمَانُ، وَيَحْصُلُ الْفَهْمُ الْحَقِيقِيُّ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ لَمْ يُصِبْهُمْ جَمِيعُ مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عَنْهُمْ. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ الَّذِي أَصَابَهُمْ وَقَضَاهُ عَلَيْهِمْ وَقَدَّرَهُ بِقَدَرِهِ الَّذِي لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ، لَكَانَ لَهُمْ شَأْنٌ آخَرُ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَنَكَالِهَا، وَلَكِنَّهُمْ - وَإِنْ فَاتَهُمُ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ الدُّنْيَوِيُّ - فَإِنَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ شِدَّتُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنَّ عُقُوبَتَهُمْ قَدِ انْقَضَتْ وَفَرَغَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، فَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَطَمُّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَعَادَوْهُمَا وَحَارَبُوهُمَا، وَسَعَوْا فِي مَعْصِيَتِهِمَا. وَهَذِهِ عَادَتُهُ وَسُنَّتُهُ فِيمَنْ شَاقَّهُ ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
وَلَمَّا لَامَ بَنُو النَّضِيرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ فِي قَطْعِ النَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، وَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى الطَّعْنِ بِالْمُسْلِمِينَ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ قَطْعَ النَّخِيلِ إِنْ قَطَعُوهُ أَوْ إِبْقَاءَهُمْ إِيَّاهُ إِنْ أَبْقَوْهُ، إِنَّهُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى، وَأَمْرِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ حَيْثُ سَلَّطَكُمْ عَلَى قَطْعِ نَخْلِهِمْ، وَتَحْرِيقِهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ نَكَالًا لَهُمْ، وَخِزْيًا فِي الدُّنْيَا، وَذُلًّا يُعْرَفُ بِهِ عَجْزُهُمُ التَّامُّ، الَّذِي مَا قَدَرُوا عَلَى اسْتِنْقَاذِ نَخْلِهِمْ، الَّذِي هُوَ مَادَّةُ قُوتِهِمْ. وَاللِّينَةُ: اسْمٌ يَشْمَلُ سَائِرَ النَّخِيلِ عَلَى أَصَحِّ الِاحْتِمَالَاتِ وَأَوْلَاهَا، فَهَذِهِ حَالُ بَنِي النَّضِيرِ، وَكَيْفَ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا.
ثُمَّ ذَكَرَ مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْتِعَتُهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَهُمْ بَنُو النَّضِيرِ.
﴿فَـ﴾ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ﴿مَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أَيْ: مَا أَجْلَبْتُمْ وَأَسْرَعْتُمْ وَحَشَدْتُمْ، ﴿عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ أَيْ: لَمْ تَتْعَبُوا بِتَحْصِيلِهَا، لَا بِأَنْفُسِكُمْ وَلَا بِمَوَاشِيكُمْ، بَلْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَأَتَتْكُمْ صَفْوًا عَفْوًا، وَلِهَذَا. قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِنْ تَمَامِ قُدْرَتِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ، وَلَا يَتَعَزَّزُ مِنْ دُونِهِ قَوِيٌّ. وَتَعْرِيفُ الْفَيْءِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ بِحَقٍّ، مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، كَهَذَا الْمَالِ الَّذِي فَرُّوا وَتَرَكُوهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسُمِّيَ فَيْئًا، لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الْحَقُّ الْأَوْفَرُ فِيهِ.
وَحُكْمُهُ الْعَامُّ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ عُمُومًا، سَوَاءٌ أَفَاءَ اللَّهُ فِي وَقْتِ رَسُولِهِ أَوْ بَعْدَهُ، لِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْ بَعْدِهِ أُمَّتَهُ.
﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
فَهَذَا الْفَيْءُ يُقْسَمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:
خُمُسٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، وَخُمُسٌ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، حَيْثُ كَانُوا يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ، ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَإِنَّمَا دَخَلَ بَنُو الْمُطَّلِبِ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ، مَعَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَقِيَّةُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لِأَنَّهُمْ شَارَكُوا بَنِي هَاشِمٍ فِي دُخُولِهِمُ الشِّعْبَ، حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ عَلَى هَجْرِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ فَنَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: "إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ"
وَخُمُسٌ لِفُقَرَاءِ الْيَتَامَى، وَهُمْ: مَنْ لَا أَبَ لَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ، وَخُمُسٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَهُمُ الْغُرَبَاءُ الْمُنْقَطِعُ بِهِمْ فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمْ.
وَإِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ هَذَا التَّقْدِيرَ، وَحَصَرَ الْفَيْءَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ لِـ ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ أَيْ: مُدَوَالَةً وَاخْتِصَاصًا ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ، لَتَدَاوَلَتْهُ الْأَغْنِيَاءُ الْأَقْوِيَاءُ، وَلَمَا حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَاجِزِينَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا أَنَّ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَصْلِ الْعَامِّ، فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وَهَذَا شَامِلٌ لِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعِبَادِ الْأَخْذُ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ، وَلَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، وَأَنَّ نَصَّ الرَّسُولِ عَلَى حُكْمِ الشَّيْءِ كَنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ قَوْلِ أَحَدٍ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَقْوَاهُ الَّتِي بِهَا عِمَارَةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِهَا السَّعَادَةُ الدَّائِمَةُ وَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَبِإِضَاعَتِهَا الشَّقَاءُ الْأَبَدِيُّ وَالْعَذَابُ السَّرْمَدِيُّ، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عَلَى مَنْ تَرَكَ التَّقْوَى، وَآثَرَ اتِّبَاعَ الْهَوَى.