1. السور
  2. سورة الصف

سورة الصف

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾

وَهَذَا بَيَانٌ لِعَظَمَتِهِ تَعَالَى وَقَهْرِهِ، وَذُلِّ جَمِيعِ الْخَلْقِ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَأَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَيَعْبُدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ حَوَائِجَهُمْ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي قَهَرَ الْأَشْيَاءَ بِعِزَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: لِمَ تَقُولُونَ الْخَيْرَ وَتَحُثُّونَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا تَمَدَّحْتُمْ بِهِ وَأَنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَهُ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الشَّرِّ وَرُبَّمَا نَزَّهْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَنْهُ، وَأَنْتُمْ مُتَلَوِّثُونَ بِهِ وَمُتَّصِفُونَ بِهِ. فَهَلْ تَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْحَالَةُ الذَّمِيمَةُ؟ أَمْ مِنْ أَكْبَرِ الْمَقْتِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ مَا لَا يَفْعَلُ؟ وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْخَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّاسِ إِلَيْهِ مُبَادَرَةً، وَلِلنَّاهِي عَنِ الشَّرِّ أَنْ يَكُونَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.

الصف · ١–٣
إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌ مَّرْصُوصٌ ﴿٤﴾

هَذَا حَثٌّ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَتَعْلِيمٌ لَهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصُفُّوا فِي الْجِهَادِ صَفًّا مُتَرَاصًّا مُتَسَاوِيًا، مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ يَقَعُ فِي الصُّفُوفِ، وَتَكُونَ صُفُوفُهُمْ عَلَى نِظَامٍ وَتَرْتِيبٍ بِهِ تَحْصُلُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالتَّعَاضُدُ وَإِرْهَابُ الْعَدُوِّ وَتَنْشِيطُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، صَفَّ أَصْحَابَهُ، وَرَتَّبَهُمْ فِي مَوَاقِفِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ اتِّكَالُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، بَلْ تَكُونُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُهْتَمَّةً بِمَرْكَزِهَا وَقَائِمَةً بِوَظِيفَتِهَا، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَتِمُّ الْأَعْمَالُ وَيَحْصُلُ الْكَمَالُ.

الصف · ٤
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴿٥﴾

أَيْ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ مُوَبِّخًا لَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَمُقَرِّعًا لَهُمْ عَلَى أَذِيَّتِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.

وَالرَّسُولُ مِنْ حَقِّهِ الْإِكْرَامُ وَالْإِعْظَامُ، وَالِانْقِيَادُ بِأَوَامِرِهِ، وَالِابْتِدَارُ لِحُكْمِهِ.

وَأَمَّا أَذِيَّةُ الرَّسُولِ الَّذِي إِحْسَانُهُ إِلَى الْخَلْقِ فَوْقَ كُلِّ إِحْسَانٍ بَعْدَ إِحْسَانِ اللَّهِ، فَفِي غَايَةِ الْوَقَاحَةِ وَالْجَرَاءَةِ وَالزَّيْغِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي قَدْ عَلِمُوهُ وَتَرَكُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ أَيِ: انْصَرَفُوا عَنِ الْحَقِّ بِقَصْدِهِمْ ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى زَيْغِهِمُ الَّذِي اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَرَضُوهُ لَهَا، وَلَمْ يُوَفِّقْهُمُ اللَّهُ لِلْهُدَى، لِأَنَّهُمْ لَا يَلِيقُ بِهِمُ الْخَيْرُ، وَلَا يَصْلُحُونَ إِلَّا لِلشَّرِّ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ لَمْ يَزَلِ الْفِسْقُ وَصْفًا لَهُمْ، لَا لَهُمْ قَصْدٌ فِي الْهُدَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُفِيدُ أَنَّ إِضْلَالَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ، لَيْسَ ظُلْمًا مِنْهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ أَغْلَقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَابَ الْهُدَى بَعْدَ مَا عَرَفُوهُ، فَيُجَازِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِضْلَالِ وَالزَّيْغِ الَّذِي لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي دَفْعِهِ وَتَقْلِيبِ الْقُلُوبِ عُقُوبَةً لَهُمْ وَعَدْلًا مِنْهُ بِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

الصف · ٥
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿٦﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَٰمِ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٧﴾ يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴿٨﴾ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِنَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُتَقَدِّمِينَ، الَّذِينَ دَعَاهُمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أَيْ: أَرْسَلَنِي اللَّهُ لِأَدْعُوَكُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَأَيَّدَنِي بِالْبَرَاهِينِ الظَّاهِرَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِي، كَوْنِي، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: جِئْتُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ، لَجِئْتُ بِغَيْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْمُرْسَلُونَ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوَارَةِ أَيْضًا، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِي وَبَشَّرَتْ، فَجِئْتُ وَبُعِثْتُ مِصْدَاقًا لَهَا ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وَهُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ النَّبِيُّ الْهَاشِمِيُّ.

فَعِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَالْأَنْبِيَاءِ يُصَدِّقُ بِالنَّبِيِّ السَّابِقِ، وَيُبَشِّرُ بِالنَّبِيِّ اللَّاحِقِ، بِخِلَافِ الْكَذَّابِينَ، فَإِنَّهُمْ يُنَاقِضُونَ الْأَنْبِيَاءَ أَشَدَّ مُنَاقَضَةٍ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الْأَوْصَافِ وَالْأَخْلَاقِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيِ: الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.

﴿قَالُوا﴾ مُعَانِدِينَ لِلْحَقِّ مُكَذِّبِينَ لَهُ ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ، الرَّسُولُ الَّذِي قَدْ وَضَحَتْ رِسَالَتُهُ، وَصَارَتْ أَبْيَنَ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ، يُجْعَلُ سَاحِرًا بَيِّنًا سِحْرُهُ، فَهَلْ فِي الْخِذْلَانِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ وَهَلْ فِي الِافْتِرَاءِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ، الَّذِي نَفَى عَنْهُ مَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ رِسَالَتِهِ، وَأَثْبَتَ لَهُ مَا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ؟

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بِهَذَا وَغَيْرِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ، وَقَدِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، لِأَنَّهُ ﴿يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ وَيُبَيَّنُ لَهُ بِبَرَاهِينِهِ وَبَيِّنَاتِهِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ عَلَى ظُلْمِهِمْ مُسْتَقِيمِينَ، لَا تَرُدُّهُمْ عَنْهُ مَوْعِظَةٌ، وَلَا يَزْجُرُهُمْ بَيَانٌ وَلَا بُرْهَانٌ، خُصُوصًا هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةَ الْقَائِمِينَ بِمُقَابَلَةِ الْحَقِّ لِيَرُدُّوهُ، وَلِيَنْصُرُوا الْبَاطِلَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ: بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنَ الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ، الَّتِي يَرُدُّونَ بِهَا الْحَقَّ، وَهِيَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، بَلْ تَزِيدُ الْبَصِيرَ مَعْرِفَةً بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنَصْرِ دِينِهِ، وَإِتْمَامِ الْحَقِّ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وَإِشَاعَةِ نُورِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَبَذَلُوا بِسَبَبِ كَرَاهَتِهِمْ كُلَّ سَبَبٍ يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إِلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ.

وَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَنْفُخُ عَيْنَ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهَا، فَلَا عَلَى مُرَادِهِمْ حَصَلُوا، وَلَا سَلِمَتْ عُقُولُهُمْ مِنَ النَّقْصِ وَالْقَدْحِ فِيهَا.

ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الظُّهُورِ وَالِانْتِصَارِ لِلدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

بِالْعِلْمِ الَّذِي يَهْدِي إِلَى اللَّهِ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، وَيَهْدِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَيَهْدِي إِلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أَيِ: الدِّينِ الَّذِي يُدَانُ بِهِ، وَيُتَعَبَّدُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، لَا نَقْصَ فِيهِ، وَلَا خَلَلَ يَعْتَرِيهِ، بَلْ أَوَامِرُهُ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَرَاحَةُ الْأَبْدَانِ، وَتَرْكُ نَوَاهِيهِ سَلَامَةٌ مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فَمَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، أَكْبَرُ دَلِيلٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِدْقِهِ، وَهُوَ بُرْهَانٌ بَاقٍ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَاقِلُ تَفَكُّرًا، ازْدَادَ بِهِ فَرَحًا وَتَبَصُّرًا.

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أَيْ: لِيُعْلِيَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَيُظْهِرَ أَهْلَهُ الْقَائِمِينَ بِهِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، فَأَمَّا نَفْسُ الدِّينِ، فَهَذَا الْوَصْفُ مُلَازِمٌ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُغَالِبَهُ مُغَالِبٌ، أَوْ يُخَاصِمَهُ مُخَاصِمٌ إِلَّا فَلَجَهُ وَبَلَسَهُ، وَصَارَ لَهُ الظُّهُورُ وَالْقَهْرُ، وَأَمَّا الْمُنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَامُوا بِهِ، وَاسْتَنَارُوا بِنُورِهِ، وَاهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ، فِي مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَقُومُ لَهُمْ أَحَدٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَإِذَا ضَيَّعُوهُ وَاكْتَفَوْا مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، لَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ، وَصَارَ إِهْمَالُهُمْ لَهُ سَبَبَ تَسْلِيطِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ، وَيَعْرِفُ هَذَا، مَنِ اسْتَقْرَأَ الْأَحْوَالَ وَنَظَرَ فِي أَوَّلِ الْمُسْلِمِينَ وَآخِرِهِمْ

الصف · ٦–٩
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَٰهِرِينَ ﴿١٤﴾

هَذِهِ وَصِيَّةٌ وَدَلَالَةٌ وَإِرْشَادٌ مِنْ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَعْظَمِ تِجَارَةٍ، وَأَجَلِّ مَطْلُوبٍ، وَأَعْلَى مَرْغُوبٍ، يَحْصُلُ بِهَا النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَالْفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. وَأَتَى بِأَدَاةِ الْعَرْضِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَرْغَبُ فِيهِ كُلُّ مُتَبَصِّرٍ، وَيَسْمُو إِلَيْهِ كُلُّ لَبِيبٍ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَا هَذِهِ التِّجَارَةُ الَّتِي هَذَا قَدْرُهَا؟ فَقَالَ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِيمَانَ التَّامَّ هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ، الْمُسْتَلْزِمُ لِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَمِنْ أَجَلِّ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بِأَنْ تَبْذُلُوا نُفُوسَكُمْ وَمُهَجَكُمْ، لِمُصَادَمَةِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالْقَصْدُ نَصْرُ دِينِ اللَّهِ وَإِعْلَاءُ كَلِمَتِهِ، وَتُنْفِقُونَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ كَرِيهًا لِلنُّفُوسِ شَاقًّا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّ فِيهِ الْخَيْرَ الدُّنْيَوِيَّ، مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالْعِزِّ الْمُنَافِي لِلذُّلِّ وَالرِّزْقِ الْوَاسِعِ، وَسَعَةِ الصَّدْرِ وَانْشِرَاحِهِ.

وَفِي الْآخِرَةِ الْفَوْزُ بِثَوَابِ اللَّهِ وَالنَّجَاةُ مِنْ عِقَابِهِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ الْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وَهَذَا شَامِلٌ لِلصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ، مُكَفِّرٌ لِلذُّنُوبِ، وَلَوْ كَانَتْ كَبَائِرَ.

﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ تَحْتِ مَسَاكِنِهَا وَقُصُورِهَا وَغُرَفِهَا وَأَشْجَارِهَا، أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَمَعَتْ كُلَّ طِيبٍ، مِنْ عُلُوٍّ وَارْتِفَاعٍ، وَحُسْنِ بِنَاءٍ وَزَخْرَفَةٍ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ، يَتَرَاءَاهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا يَتَرَاءَى الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ أَوِ الْغَرْبِيِّ، وَحَتَّى إِنَّ بِنَاءَ الْجَنَّةِ بَعْضُهُ مِنْ لَبِنِ ذَهَبٍ وَبَعْضُهُ مِنْ لَبِنِ فِضَّةٍ، وَخِيَامُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَبَعْضُ الْمَنَازِلِ مِنَ الزُّمُرُّدِ وَالْجَوَاهِرِ الْمُلَوَّنَةِ بِأَحْسَنِ الْأَلْوَانِ، حَتَّى إِنَّهَا مِنْ صَفَائِهَا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، وَفِيهَا مِنَ الطِّيبِ وَالْحُسْنِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَصْفُ الْوَاصِفِينَ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكُوهُ حَتَّى يَرَوْهُ، وَيَتَمَتَّعُوا بِحُسْنِهِ وَتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِهِ، فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَنْشَأَهُمْ نَشْأَةً كَامِلَةً لَا تَقْبَلُ الْعَدَمَ، لَأَوْشَكَ أَنْ يَمُوتُوا مِنَ الْفَرَحِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يُحْصِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ وَفَوْقَ مَا يُثْنِي عَلَيْهِ عِبَادُهُ وَتَبَارَكَ الْجَلِيلُ الْجَمِيلُ، الَّذِي أَنْشَأَ دَارَ النَّعِيمِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ مَا يَبْهَرُ عُقُولَ الْخَلْقِ وَيَأْخُذُ بِأَفْئِدَتِهِمْ.

وَتَعَالَى مَنْ لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا، أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَى الْخَلَائِقَ الْجَنَّةَ حِينَ خَلَقَهَا وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ لَمَا تَخَلَّفَ عَنْهَا أَحَدٌ، وَلَمَا هَنَاهُمُ الْعَيْشُ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْمُنَغَّصَةِ، الْمَشُوبِ نَعِيمُهَا بِأَلَمِهَا، وَسُرُورُهَا بِتَرَحِهَا.

وَسُمِّيَتِ الْجَنَّةُ جَنَّةَ عَدْنٍ، لِأَنَّ أَهْلَهَا مُقِيمُونَ فِيهَا، لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا، وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَالْأَجْرُ الْجَمِيلُ، الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَا فَوْزَ مِثْلُهُ، فَهَذَا الثَّوَابُ الْأُخْرَوِيُّ.

وَأَمَّا الثَّوَابُ الدُّنْيَوِيُّ لِهَذِهِ التِّجَارَةِ، فَذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ أَيْ: وَيَحْصُلُ لَكُمْ خَصْلَةٌ أُخْرَى تُحِبُّونَهَا وَهِيَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لَكُمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، يَحْصُلُ بِهِ الْعِزُّ وَالْفَرَحُ، ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ تَتَّسِعُ بِهِ دَائِرَةُ الْإِسْلَامِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الرِّزْقُ الْوَاسِعُ، فَهَذَا جَزَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِهَادِ، إِذَا قَامَ غَيْرُهُمْ بِالْجِهَادِ فَلَمْ يُؤْيِسْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، بَلْ قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ إِيمَانِهِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ "

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ بِالْقِيَامِ بِدِينِ اللَّهِ، وَالْحِرْصِ عَلَى إِقَامَتِهِ عَلَى الْغَيْرِ، وَجِهَادِ مَنْ عَانَدَهُ وَنَابَذَهُ، بِالْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ، وَمَنْ نَصَرَ الْبَاطِلَ بِمَا يَزْعُمُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَرَدِّ الْحَقِّ، بِدَحْضِ حُجَّتِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ.

وَمِنْ نَصْرِ دِينِ اللَّهِ، تَعَلُّمُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَالْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.

ثُمَّ هَيَّجَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَ لَهُمْ عَارِضًا وَمُنْهِضًا مَنْ يُعَاوِنُنِي وَيَقُومُ مَعِي فِي نُصْرَتِي لِدِينِ اللَّهِ، وَيَدْخُلُ مُدْخَلِي، وَيَخْرُجُ مُخْرَجِي؟

فَابْتَدَرَ الْحَوَارِيُّونَ، فَقَالُوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ فَمَضَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَنَصْرِ دِينِهِ، هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بِسَبَبِ دَعْوَةِ عِيسَى وَالْحَوَارِيِّينَ، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَنْقَادُوا لِدَعْوَتِهِمْ، فَجَاهَدَ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أَيْ: قَوَّيْنَاهُمْ وَنَصَرْنَاهُمْ عَلَيْهِمْ.

﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ عَلَيْهِمْ وَقَاهِرِينَ لَهُمْ، فَأَنْتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ وَدُعَاةَ دِينِهِ، يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ كَمَا نَصَرَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَيُظْهِرْكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ.

تَمَّتْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

الصف · ١٠–١٤