1. السور
  2. سورة الجمعة

سورة الجمعة

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾

أَيْ: يُسَبِّحُ لِلَّهِ، وَيَنْقَادُ لِأَمْرِهِ، وَيَتَأَلَّهُهُ، وَيَعْبُدُهُ، جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ الْمُلْكِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَالْجَمِيعُ مَمَالِيكُهُ، وَتَحْتَ تَدْبِيرِهِ، ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الْمُعَظَّمُ، الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ آفَةٍ وَنَقْصٍ، ﴿الْعَزِيزُ﴾ الْقَاهِرُ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ.

فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْعَظِيمَةُ مِمَّا تَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

الجمعة · ١
هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ﴿٢﴾ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٣﴾ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿٤﴾

الْمُرَادُ بِالْأُمِّيِّينَ: الَّذِينَ لَا كِتَابَ عِنْدَهُمْ، وَلَا أَثَرَ رِسَالَةٍ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَامْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، مِنَّةً عَظِيمَةً، أَعْظَمَ مِنْ مِنَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَادِمُونَ لِلْعِلْمِ وَالْخَيْرِ، وَكَانُوا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، يَتَعَبَّدُونَ لِلْأَشْجَارِ وَالْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ، وَيَتَخَلَّقُونَ بِأَخْلَاقِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ، يَأْكُلُ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ بِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، وَأَوْصَافَهُ الْجَمِيلَةَ وَصِدْقَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ الْقَاطِعَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ بِأَنْ يَحُثَّهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَيُفَصِّلَهَا لَهُمْ، وَيَزْجُرَهُمْ عَنِ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَيْ: عِلْمَ الْقُرْآنِ وَعِلْمَ السُّنَّةِ، الْمُشْتَمِلَ ذَلِكَ عُلُومَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَكَانُوا بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيمِ وَالتَّزْكِيَةِ مِنْهُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ، بَلْ كَانُوا أَئِمَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَكْمَلَ الْخَلْقِ أَخْلَاقًا، وَأَحْسَنَهُمْ هَدْيًا وَسَمْتًا، اهْتَدَوْا بِأَنْفُسِهِمْ، وَهَدَوْا غَيْرَهُمْ، فَصَارُوا أَئِمَّةَ الْمُهْتَدِينَ، وَهُدَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِلَّهِ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ هَذَا الرَّسُولَ ﷺ، أَكْمَلُ نِعْمَةٍ، وَأَجَلُّ مِنْحَةٍ، وَقَوْلُهُ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أَيْ: وَامْتَنَّ عَلَى آخَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْأُمِّيِّينَ، مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ، أَيْ: فِيمَنْ بَاشَرَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ فِي الْفَضْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ فِي الزَّمَانِ، وَعَلَى كُلٍّ، فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ وَشَاهَدُوهُ وَبَاشَرُوا دَعْوَتَهُ، حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْفَضَائِلِ مَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَلْحَقَهُمْ فِيهَا، وَهَذَا مِنْ عِزَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ عِبَادَهُ هَمَلًا وَلَا سُدًى، بَلِ ابْتَعَثَ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِعَافِيَةِ الْبَدَنِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَا أَعْظَمَ مِنْ نِعْمَةِ الدِّينِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْفَوْزِ، وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ.

الجمعة · ٢–٤
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٥﴾ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓا۟ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿٦﴾ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُۥٓ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٧﴾ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنَّتَهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّذِينَ ابْتَعَثَ فِيهِمُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، وَمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَزَايَا وَالْمَنَاقِبِ، الَّتِي لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ وَهُمُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ الَّذِينَ فَاقُوا الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، حَتَّى أَهْلَ الْكِتَابِ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ الْمُتَقَدِّمُونَ، ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ مِنَ الْيَهُودِ وَكَذَا النَّصَارَى، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَانَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوهَا وَلَمْ يَقُومُوا بِمَا حُمِّلُوا بِهِ، أَنَّهُمْ لَا فَضِيلَةَ لَهُمْ، وَأَنَّ مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ فَوْقَ ظَهْرِهِ أَسْفَارًا مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، فَهَلْ يَسْتَفِيدُ ذَلِكَ الْحِمَارُ مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ الَّتِي فَوْقَ ظَهْرِهِ؟ وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ فَضِيلَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟ أَمْ حَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا فَقَطْ؟ فَهَذَا مَثَلُ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، الَّذِي مِنْ أَجَلِّهِ وَأَعْظَمِهِ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْبِشَارَةُ بِهِ، وَالْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَهَلِ اسْتَفَادَ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَّا الْخَيْبَةَ وَالْخُسْرَانَ وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ؟ فَهَذَا الْمَثَلُ مُطَابِقٌ لِأَحْوَالِهِمْ.

بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ رَسُولِنَا وَصِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ.

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: لَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، مَا دَامَ الظُّلْمُ لَهُمْ وَصْفًا، وَالْعِنَادُ لَهُمْ نَعْتًا وَمِنْ ظُلْمِ الْيَهُودِ وَعِنَادِهِمْ، أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، وَأَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ.

وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ، أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ خَفِيفٌ، فَإِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ لَمَا تَوَقَّفُوا عَنْ هَذَا التَّحَدِّي الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِمْ إِنْ تَمَنَّوْهُ، وَكَذِبِهِمْ إِنْ لَمْ يَتَمَنَّوْهُ وَلَمَّا لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ مَعَ الْإِعْلَانِ لَهُمْ بِذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُمْ عَالِمُونَ بِبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَفَسَادِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، الَّتِي يَسْتَوْحِشُونَ مِنَ الْمَوْتِ مِنْ أَجْلِهَا، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِهِمْ شَيْءٌ، هَذَا وَإِنْ كَانُوا لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَيَفِرُّونَ مِنْهُ غَايَةَ الْفِرَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْجِيهِمْ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُلَاقِيَهُمُ الْمَوْتُ الَّذِي قَدْ حَتَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَكَتَبَهُ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاسْتِكْمَالِ الْآجَالِ، يُرَدُّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.

الجمعة · ٥–٨
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿١١﴾

يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُضُورِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، مِنْ حِينِ يُنَادَى لَهَا وَالسَّعْيِ إِلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هُنَا: الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ لَهَا، وَجَعْلُهَا أَهَمَّ الْأَشْغَالِ، لَا الْعَدْوُ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْمُضِيِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أَيِ: اتْرُكُوا الْبَيْعَ، إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، وَامْضُوا إِلَيْهَا.

فَإِنَّ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنِ اشْتِغَالِكُمْ بِالْبَيْعِ، وَتَفْوِيتِكُمُ الصَّلَاةَ الْفَرِيضَةَ، الَّتِي هِيَ مِنْ آكَدِ الْفُرُوضِ.

﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَأَنَّ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ، فَقَدْ خَسِرَ الْخَسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يَرْبَحُ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ مُؤَقَّتٌ مُدَّةَ الصَّلَاةِ. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ لِطَلَبِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ وَلَمَّا كَانَ الِاشْتِغَالُ فِي التِّجَارَةِ، مَظِنَّةَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ، فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أَيْ فِي حَالِ قِيَامِكُمْ وَقُعُودِكُمْ وَعَلَى جُنُوبِكُمْ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ أَسْبَابِ الْفَلَاحِ.

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، حِرْصًا عَلَى ذَلِكَ اللَّهْوِ، وَ تِلْكَ التِّجَارَةِ، وَتَرَكُوا الْخَيْرَ، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ تَخْطُبُ النَّاسَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ، إِذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، عِيرٌ تَحْمِلُ تِجَارَةً، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِهَا، وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، انْفَضُّوا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ اسْتِعْجَالًا لِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْجَلَ لَهُ، وَتَرْكَ أَدَبٍ، ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، لِمَنْ لَازَمَ الْخَيْرَ وَصَبَّرَ نَفْسَهُ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ.

﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ الَّتِي، وَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا بَعْضُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مُنَغَّصٌ، مُفَوِّتٌ لِخَيْرِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مُفَوِّتًا لِلرِّزْقِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ رَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ:

مِنْهَا: أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، يَجِبُ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ لَهَا، وَالْمُبَادَرَةُ وَالِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهَا.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرِيضَتَانِ يَجِبُ حُضُورُهُمَا، لِأَنَّهُ فَسَّرَ الذِّكْرَ هُنَا بِالْخُطْبَتَيْنِ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْمُضِيِّ إِلَيْهِ وَالسَّعْيِ لَهُ.

وَمِنْهَا: مَشْرُوعِيَّةُ النِّدَاءِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَمْرِ بِهِ.

وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْوَاجِبَ وَيَشْغَلُ عَنْهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ، إِذَا كَانَ يَنْشَأُ عَنْهُ تَفْوِيتُ وَاجِبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.

وَمِنْهَا: الْأَمْرُ بِحُضُورِ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَذَمُّ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ الْإِنْصَاتُ لَهُمَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الْمُقْبِلِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَقْتَ دَوَاعِي النَّفْسِ لِحُضُورِ اللَّهْوِ وَالتِّجَارَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، أَنْ يُذَكِّرَهَا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَمَا لِمُؤْثِرِ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهُ.

الجمعة · ٩–١١