1. السور
  2. سورة التحريم

سورة التحريم

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› الطلاقالملك ‹
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١﴾ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَٰنِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٢﴾ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿٣﴾ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴿٤﴾ عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَٰتٍ مُّؤْمِنَٰتٍ قَٰنِتَٰتٍ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٍ سَٰٓئِحَٰتٍ ثَيِّبَٰتٍ وَأَبْكَارًا ﴿٥﴾

هَذَا عِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حِينَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ سُرِّيَّتَهُ "مَارِيَةَ" أَوْ شُرْبَ الْعَسَلِ، مُرَاعَاةً لِخَاطِرِ بَعْضِ زَوْجَاتِهِ، فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَاتِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ أَيْ: يَا أَيُّهَا الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ.

﴿تَبْتَغِيَ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ ﴿مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِرَسُولِهِ، وَرَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ، وَرَحِمَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ الصَّادِرُ مِنْهُ، سَبَبًا لِشَرْعِ حُكْمٍ عَامٍّ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى حَاكِمًا حُكْمًا عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ شَرَعَ لَكُمْ، وَقَدَّرَ مَا بِهِ تَنْحَلُّ أَيْمَانُكُمْ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَمَا بِهِ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.

فَكُلُّ مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا عَلَيْهِ، مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ، أَوْ حَلَفَ يَمِينًا بِاللَّهِ، عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، ثُمَّ حَنِثَ أَوْ أَرَادَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ أَيْ: مُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ، وَمُرَبِّيكُمْ أَحْسَنَ تَرْبِيَةٍ، فِي أُمُورِ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَمَا بِهِ يَنْدَفِعُ عَنْكُمُ الشَّرُّ، فَلِذَلِكَ فَرَضَ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، لِتَبْرَأَ ذِمَمُكُمْ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِظَوَاهِرِكُمْ وَبَوَاطِنِكُمْ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي جَمِيعِ مَا خَلَقَهُ وَحَكَمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ، مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَصَالِحِكُمْ، وَمُنَاسِبٌ لِأَحْوَالِكُمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَسَرَّ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ حَدِيثًا، وَأَمَرَ أَنْ لَا تُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا، فَحَدَّثَتْ بِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي أَذَاعَتْهُ، فَعَرَّفَهَا ﷺ، بِبَعْضِ مَا قَالَتْ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، كَرَمًا مِنْهُ ﷺ، وَحِلْمًا، فَـ ﴿قَالَتْ﴾ لَهُ: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنَّا؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الْخِطَابُ لِلزَّوْجَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِهِ ﷺ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَتَا سَبَبًا لِتَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ مَا يُحِبُّهُ، فَعَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا التَّوْبَةَ، وَعَاتَبَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ قُلُوبَهُمَا قَدْ صَغَتْ أَيْ: مَالَتْ وَانْحَرَفَتْ عَمَّا يَنْبَغِي لَهُنَّ، مِنَ الْوَرَعِ وَالْأَدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وَاحْتِرَامِهِ، وَأَنْ لَا يَشْقُقْنَ عَلَيْهِ، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أَيْ: تَعَاوَنَا عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَمِرَّ هَذَا الْأَمْرُ مِنْكُنَّ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ أَعْوَانٌ لِلرَّسُولِ، مُظَاهِرُونَ، وَمَنْ كَانَ هَؤُلَاءِ أَعْوَانَهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُنَاوِئُهُ مَخْذُولٌ، وَفِي هَذَا أَكْبَرُ فَضِيلَةٍ وَشَرَفٍ لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، حَيْثُ جَعَلَ الْبَارِي نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ، وَخَوَاصَّ خَلْقِهِ، أَعْوَانًا لِهَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ.

وَهَذَا فِيهِ مِنَ التَّحْذِيرِ لِلزَّوْجَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ مَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ خَوَّفَهُمَا أَيْضًا، بِحَالَةٍ تَشُقُّ عَلَى النِّسَاءِ غَايَةَ الْمَشَقَّةِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ، الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ شَيْءٍ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.

﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ أَيْ: فَلَا تَرَفَّعْنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَكُنَّ، لَمْ يَضِقْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إِلَيْكُنَّ، فَإِنَّهُ سَيَلْقَى وَيُبْدِلُهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، دِينًا وَجَمَالًا وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ، وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ، فَإِنَّهُ مَا طَلَّقَهُنَّ، وَلَوْ طَلَّقَهُنَّ، لَكَانَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأَزْوَاجِ الْفَاضِلَاتِ، الْجَامِعَاتِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَالْإِيمَانِ، وَهُوَ: الْقِيَامُ بِالشَّرَائِعِ الْبَاطِنَةِ، مِنَ الْعَقَائِدِ وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ.

الْقُنُوتُ هُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ وَاسْتِمْرَارُهَا ﴿تَائِبَاتٍ﴾ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، فَوَصَفَهُنَّ بِالْقِيَامِ بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَالتَّوْبَةِ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أَيْ: بَعْضُهُنَّ ثَيِّبٌ، وَبَعْضُهُنَّ أَبْكَارٌ، لِيَتَنَوَّعَ ﷺ، فِيمَا يُحِبُّ، فَلَمَّا سَمِعْنَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ- هَذَا التَّخْوِيفَ وَالتَّأْدِيبَ، بَادَرْنَ إِلَى رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ هَذَا الْوَصْفُ مُنْطَبِقًا عَلَيْهِنَّ، فَصِرْنَ أَفْضَلَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ ﷺ إِلَّا أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ وَأَعْلَى الْأُمُورِ، فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ بَقَاءَ نِسَائِهِ الْمَذْكُورَاتِ مَعَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُنَّ خَيْرُ النِّسَاءِ وَأَكْمَلُهُنَّ.

التحريم · ١–٥
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٦﴾

أَيْ: يَا مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ، قُومُوا بِلَوَازِمِهِ وَشُرُوطِهِ.

فَـ ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْفَظِيعَةِ، وَوِقَايَةُ الْأَنْفُسِ بِإِلْزَامِهَا أَمْرَ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ امْتِثَالًا وَنَهْيِهِ اجْتِنَابًا، وَالتَّوْبَةِ عَمَّا يُسْخِطُ اللَّهَ وَيُوجِبُ الْعَذَابَ، وَوِقَايَةُ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، بِتَأْدِيبِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، وَإِجْبَارِهِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَلَا يَسْلَمُ الْعَبْدُ إِلَّا إِذَا قَامَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي نَفْسِهِ، وَفِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ.

وَوَصَفَ اللَّهُ النَّارَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، لِيَزْجُرَ عِبَادَهُ عَنِ التَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.

﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أَيْ: غَلِيظَةٌ أَخْلَاقُهُمْ، عَظِيمٌ انْتِهَارُهُمْ، يُفْزِعُونَ بِأَصْوَاتِهِمْ وَيُخِيفُونَ بِمَرْآهُمْ، وَيُهِينُونَ أَصْحَابَ النَّارِ بِقُوَّتِهِمْ، وَيَمْتَثِلُونَ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ، الَّذِي حَتَمَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ شِدَّةَ الْعِقَابِ، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وَهَذَا فِيهِ أَيْضًا مَدْحٌ لِلْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، وَانْقِيَادِهِمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَطَاعَتِهِمْ لَهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ.

التحريم · ٦
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧﴾

أَيْ: يُوَبَّخُ أَهْلُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهَذَا التَّوْبِيخِ فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِاعْتِذَارِ، وَزَالَ نَفْعُهُ، فَلَمْ يَبْقَ الْآنَ إِلَّا الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَأَنْتُمْ لَمْ تُقَدِّمُوا إِلَّا الْكُفْرَ بِاللَّهِ، وَالتَّكْذِيبَ بِآيَاتِهِ، وَمُحَارَبَةَ رُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.

التحريم · ٧
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾

قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَدُخُولِ الْجَنَّاتِ، وَالْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ، حِينَ يَسْعَى الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنُورِ إِيمَانِهِمْ، وَيَمْشُونَ بِضِيَائِهِ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِرَوْحِهِ وَرَاحَتِهِ، وَيُشْفِقُونَ إِذَا طُفِئَتِ الْأَنْوَارُ، الَّتِي لَا تُعْطَى الْمُنَافِقِينَ، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يُتَمِّمَ لَهُمْ نُورَهُمْ فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، وَيُوصِلُهُمْ مَا مَعَهُمْ مِنَ النُّورِ وَالْيَقِينِ، إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَجِوَارِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ آثَارِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ.

وَالْمُرَادُ بِهَا: التَّوْبَةُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ لِلذُّنُوبِ كُلِّهَا، الَّتِي عَقَدَهَا الْعَبْدُ لِلَّهِ، لَا يُرِيدُ بِهَا إِلَّا وَجْهَهُ وَالْقُرْبَ مِنْهُ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.

التحريم · ٨
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿٩﴾

يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ، بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا شَامِلٌ لِجِهَادِهِمْ، بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَدَعْوَتِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَإِبْطَالِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ، وَجِهَادِهِمْ بِالسِّلَاحِ وَالْقِتَالِ لِمَنْ أَبَى أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ اللَّهِ وَيَنْقَادَ لِحُكْمِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُجَاهَدُ وَيُغْلَظُ لَهُ، وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى، فَتَكُونُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الدُّنْيَا، بِتَسْلِيطِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وَحِزْبِهِ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى جِهَادِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَعَذَابُ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهَا كُلُّ شَقِيٍّ خَاسِرٍ.

التحريم · ٩
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ﴿١٠﴾ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿١١﴾ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ ﴿١٢﴾

هَذَانِ الْمَثَلَانِ اللَّذَانِ ضَرَبَهُمَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اتِّصَالَ الْكَافِرِ بِالْمُؤْمِنِ وَقُرْبَهُ مِنْهُ لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَأَنَّ اتِّصَالَ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا مَعَ قِيَامِهِ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ.

فَكَأَنَّ فِي ذَلِكَ إِشَارَةً وَتَحْذِيرًا لِزَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ اتِّصَالَهُنَّ بِهِ ﷺ، لَا يَنْفَعُهُنَّ شَيْئًا مَعَ الْإِسَاءَةِ، فَقَالَ:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا﴾ أَيِ: الْمَرْأَتَانِ ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ وَهُمَا نُوحٌ، وَلُوطٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ فِي الدِّينِ، بِأَنْ كَانَتَا عَلَى غَيْرِ دِينِ زَوْجَيْهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْخِيَانَةِ لَا خِيَانَةِ النَّسَبِ وَالْفِرَاشِ، فَإِنَّهُ مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ امْرَأَةَ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بَغِيًّا، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ أَيْ: نُوحٌ وَلُوطٌ ﴿عَنْهُمَا﴾ أَيْ: عَنِ امْرَأَتَيْهِمَا ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ﴾ لَهُمَا ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ وَهِيَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فَوَصَفَهَا اللَّهُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّضَرُّعِ لِرَبِّهَا، وَسُؤَالِهَا لِرَبِّهَا أَجَلَّ الْمَطَالِبِ، وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَمُجَاوَرَةُ الرَّبِّ الْكَرِيمِ، وَسُؤَالِهَا أَنْ يُنَجِّيَهَا اللَّهُ مِنْ فِتْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَعْمَالِهِ الْخَبِيثَةِ، وَمِنْ فِتْنَةِ كُلِّ ظَالِمٍ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا، فَعَاشَتْ فِي إِيمَانٍ كَامِلٍ، وَثَبَاتٍ تَامٍّ، وَنَجَاةٍ مِنَ الْفِتَنِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ، إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ﴾. وَقَوْلُهُ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أَيْ: صَانَتْهُ وَحَفِظَتْهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ، لِكَمَالِ دِيَانَتِهَا، وَعِفَّتِهَا، وَنَزَاهَتِهَا.

﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ بِأَنْ نَفَخَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا فَوَصَلَتْ نَفْخَتُهُ إِلَى مَرْيَمَ، فَجَاءَ مِنْهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الرَّسُولُ الْكَرِيمُ وَالسَّيِّدُ الْعَظِيمُ.

﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ وَهَذَا وَصْفٌ لَهَا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّ التَّصْدِيقَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، يَشْمَلُ كَلِمَاتِهِ الدِّينِيَّةَ وَالْقَدَرِيَّةَ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ مَا بِهِ يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ أَيِ: الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ، الْمُدَاوِمِينَ عَلَى طَاعَتِهِ بِخَشْيَةٍ وَخُشُوعٍ، وَهَذَا وَصْفٌ لَهَا بِكَمَالِ الْعَمَلِ، فَإِنَّهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صِدِّيقَةٌ، وَالصِّدِّيقِيَّةُ: هِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.

تَمَّتْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

التحريم · ١٠–١٢