1. السور
  2. سورة الملك

سورة الملك

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَبَٰرَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴿٢﴾ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ﴿٣﴾ ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿٤﴾

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أَيْ: تَعَاظَمَ وَتَعَالَى، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَعَمَّ إِحْسَانُهُ، مِنْ عَظَمَتِهِ أَنَّ بِيَدِهِ مُلْكَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ، مِنَ الْأَحْكَامِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ، التَّابِعَةِ لِحِكْمَتِهِ، وَمِنْ عَظَمَتِهِ، كَمَالُ قُدْرَتِهِ الَّتِي يَقْدِرُ بِهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا أَوْجَدَ مَا أَوْجَدَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الْعَظِيمَةِ، كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ أَيْ: قَدَّرَ لِعِبَادِهِ أَنْ يُحْيِيَهُمْ ثُمَّ يُمِيتَهُمْ؛ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أَيْ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ، وَأَخْرَجَهُمْ لِهَذِهِ الدَّارِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَيُنْقَلُونَ مِنْهَا، وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَابْتَلَاهُمْ بِالشَّهَوَاتِ الْمُعَارِضَةِ لِأَمْرِهِ، فَمَنِ انْقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ الْجَزَاءَ فِي الدَّارَيْنِ، وَمَنْ مَالَ مَعَ شَهَوَاتِ النَّفْسِ، وَنَبَذَ أَمْرَ اللَّهِ، فَلَهُ شَرُّ الْجَزَاءِ.

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ كُلُّهَا، الَّتِي قَهَرَ بِهَا جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَانْقَادَتْ لَهُ الْمَخْلُوقَاتُ.

﴿الْغَفُورُ﴾ عَنِ الْمُسِيئِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَالْمُذْنِبِينَ، خُصُوصًا إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ، وَلَوْ بَلَغَتْ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَيَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ مِلْءَ الدُّنْيَا. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ فَوْقَ الْأُخْرَى، وَلَسْنَ طَبَقَةً وَاحِدَةً، وَخَلَقَهَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْإِتْقَانِ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أَيْ: خَلَلٍ وَنَقْصٍ.

وَإِذَا انْتَفَى النَّقْصُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، صَارَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً، مُتَنَاسِبَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فِي لَوْنِهَا وَهَيْئَتِهَا وَارْتِفَاعِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ النَّيِّرَاتِ، الثَّوَابِتِ مِنْهُنَّ وَالسَّيَّارَاتِ.

وَلَمَّا كَانَ كَمَالُهَا مَعْلُومًا، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَالتَّأَمُّلِ فِي أَرْجَائِهَا، قَالَ:

﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أَيْ: أَعِدْهُ إِلَيْهَا، نَاظِرًا مُعْتَبِرًا ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أَيْ: نَقْصٍ وَاخْتِلَالٍ. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الْمُرَادُ بِذَلِكَ: كَثْرَةُ التَّكْرَارِ ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أَيْ: عَاجِزًا عَنْ أَنْ يَرَى خَلَلًا أَوْ فُطُورًا، وَلَوْ حَرَصَ غَايَةَ الْحِرْصِ.

ثُمَّ صَرَّحَ بِذِكْرِ حُسْنِهَا فَقَالَ:

الملك · ١–٤
وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًا لِّلشَّيَٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ﴿٥﴾ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿٦﴾ إِذَآ أُلْقُوا۟ فِيهَا سَمِعُوا۟ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلْغَيْظِ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾ وَقَالُوا۟ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ﴿١٠﴾

أَيْ: وَلَقَدْ جَمَّلْنَا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ الَّتِي تَرَوْنَهَا وَتَلِيكُمْ، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وَهِيَ: النُّجُومُ، عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي النُّورِ وَالضِّيَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا مَا فِيهَا مِنَ النُّجُومِ، لَكَانَتْ سَقْفًا مُظْلِمًا، لَا حُسْنَ فِيهِ وَلَا جَمَالَ.

وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَمَالًا، وَنُورًا وَهِدَايَةً يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَلَا يُنَافِي إِخْبَارُهُ أَنَّهُ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ، أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنَ النُّجُومِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ شَفَّافَةٌ، وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ الزِّينَةُ لِلسَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكَوَاكِبُ فِيهَا، ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أَيِ: الْمَصَابِيحَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الَّذِينَ يُرِيدُونَ اسْتِرَاقَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ، حِرَاسَةً لِلسَّمَاءِ عَنْ تَلَقُّفِ الشَّيَاطِينِ أَخْبَارَ الْأَرْضِ، فَهَذِهِ الشُّهُبُ الَّتِي تُرْمَى مِنَ النُّجُومِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لِلشَّيَاطِينِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ لِأَنَّهُمْ تَمَرَّدُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَضَلُّوا عِبَادَهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ مِثْلَهُمْ، قَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الَّذِي يُهَانُ أَهْلُهُ غَايَةَ الْهَوَانِ. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ وَالذُّلِّ ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ أَيْ: صَوْتًا عَالِيًا فَظِيعًا، ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾.

﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أَيْ: تَكَادُ عَلَى اجْتِمَاعِهَا أَنْ يُفَارِقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَتَقَطَّعَ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا عَلَى الْكُفَّارِ، فَمَا ظَنُّكَ مَا تَفْعَلُ بِهِمْ، إِذَا حَصَلُوا فِيهَا؟ " ثُمَّ ذَكَرَ تَوْبِيخَ الْخَزَنَةِ لِأَهْلِهَا فَقَالَ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾؟ أَيْ: حَالُكُمْ هَذَا وَاسْتِحْقَاقُكُمُ النَّارَ، كَأَنَّكُمْ لَمْ تُخْبَرُوا عَنْهَا، وَلَمْ تُحَذِّرْكُمُ النُّذُرُ مِنْهَا.

﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ فَجَمَعُوا بَيْنَ تَكْذِيبِهِمُ الْخَاصِّ، وَالتَّكْذِيبِ الْعَامِّ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ، حَتَّى أَعْلَنُوا بِضَلَالِ الرُّسُلِ الْمُنْذِرِينَ وَهُمُ الْهُدَاةُ الْمُهْتَدُونَ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الضَّلَالِ، بَلْ جَعَلُوا ضَلَالَهُمْ، ضَلَالًا كَبِيرًا، فَأَيُّ عِنَادٍ وَتَكَبُّرٍ وَظُلْمٍ، يُشْبِهُ هَذَا؟

﴿وَقَالُوا﴾ مُعْتَرِفِينَ بِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِلْهُدَى وَالرَّشَادِ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ فَنَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ طُرُقَ الْهُدَى، وَهِيَ السَّمْعُ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَجَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَالْعَقْلُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، وَيُوقِفُهُ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَإِيثَارِ الْخَيْرِ، وَالِانْزِجَارِ عَنْ كُلِّ مَا عَاقِبَتُهُ ذَمِيمَةٌ، فَلَا سَمْعَ لَهُمْ وَلَا عَقْلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالْعِرْفَانِ، وَأَرْبَابِ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُمْ أَيَّدُوا إِيمَانَهُمْ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَسَمِعُوا مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَجَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَعَمَلًا.

وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ: الْمُعَرِّفَةِ لِلْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، وَالْحَسَنِ مِنَ الْقَبِيحِ، وَالْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ، وَهُمْ -فِي الْإِيمَانِ- بِحَسَبِ مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَخْتَصُّ بِفَضْلِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَخْذُلُ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْخَيْرِ.

قَالَ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الدَّاخِلِينَ لِلنَّارِ، الْمُعْتَرِفِينَ بِظُلْمِهِمْ وَعِنَادِهِمْ:

الملك · ٥–١٠
فَٱعْتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ﴿١١﴾

أَيْ: بُعْدًا لَهُمْ وَخَسَارَةً وَشَقَاءً.

فَمَا أَشْقَاهُمْ وَأَرْدَاهُمْ، حَيْثُ فَاتَهُمْ ثَوَابُ اللَّهِ، وَكَانُوا مُلَازِمِينَ لِلسَّعِيرِ، الَّتِي تَسْتَعِرُ فِي أَبْدَانِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ!

الملك · ١١
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾

لَمَّا ذَكَرَ حَالَةَ الْأَشْقِيَاءِ الْفُجَّارِ، ذَكَرَ حَالَةَ السُّعَدَاءِ الْأَبْرَارِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، حَتَّى فِي الْحَالَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا اللَّهُ، فَلَا يُقْدِمُونَ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَلَا يُقَصِّرُونَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، وَإِذَا غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُمْ؛ وَقَاهُمْ شَرَّهَا، وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْمُلْكِ الْكَبِيرِ، وَاللَّذَّاتِ الْمُتَوَاصِلَاتِ، وَالْمُشْتَهَيَاتِ، وَالْقُصُورِ وَالْمَنَازِلِ الْعَالِيَاتِ، وَالْحُورِ الْحِسَانِ، وَالْخَدَمِ وَالْوِلْدَانِ.

وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ، رِضَا الرَّحْمَنِ، الَّذِي يُحِلُّهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجِنَانِ..

الملك · ١٢
وَأَسِرُّوا۟ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُوا۟ بِهِۦٓ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴿١٤﴾

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ بِسَعَةِ عِلْمِهِ، وَشُمُولِ لُطْفِهِ فَقَالَ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ أَيْ: كُلُّهَا سَوَاءٌ لَدَيْهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ، فَـ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: بِمَا فِيهَا مِنَ النِّيَّاتِ، وَالْإِرَادَاتِ، فَكَيْفَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، الَّتِي تُسْمَعُ وَتُرَى؟!

ثُمَّ قَالَ -مُسْتَدِلًّا بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ عَلَى عِلْمِهِ-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فَمَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَتْقَنَهُ وَأَحْسَنَهُ، كَيْفَ لَا يَعْلَمُهُ؟! ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ وَخُبْرُهُ، حَتَّى أَدْرَكَ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، وَالْخَبَايَا وَالْخَفَايَا وَالْغُيُوبَ، وَهُوَ الَّذِي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وَمِنْ مَعَانِي اللَّطِيفِ، أَنَّهُ الَّذِي يَلْطُفُ بِعَبْدِهِ وَوَلِيِّهِ، فَيَسُوقُ إِلَيْهِ الْبِرَّ وَالْإِحْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَيَعْصِمُهُ مِنَ الشَّرِّ، مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَيُرَقِّيهِ إِلَى أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، بِأَسْبَابٍ لَا تَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى بَالٍ، حَتَّى إِنَّهُ يُذِيقُهُ الْمَكَارِهَ، لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى الْمَحَابِّ الْجَلِيلَةِ، وَالْمَقَامَاتِ النَّبِيلَةِ.

الملك · ١٣–١٤
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ﴿١٥﴾

أَيْ: هُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْأَرْضَ وَذَلَّلَهَا، لِتُدْرِكُوا مِنْهَا كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُكُمْ، مِنْ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ وَحَرْثٍ، وَطُرُقٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَالْبُلْدَانِ الشَّاسِعَةِ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أَيْ: لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَكَاسِبِ.

﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أَيْ: بَعْدَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ امْتِحَانًا، وَبُلْغَةً يُتَبَلَّغُ بِهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، تُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِكُمْ، وَتُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ، لِيُجَازِيَكُمْ بِأَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ.

الملك · ١٥
ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾ وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾

هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، لِمَنِ اسْتَمَرَّ فِي طُغْيَانِهِ وَتَعَدِّيهِ، وَعِصْيَانِهِ الْمُوجِبِ لِلنَّكَالِ وَحُلُولِ الْعُقُوبَةِ، فَقَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، الْعَالِي عَلَى خَلْقِهِ.

﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ بِكُمْ وَتَضْطَرِبُ، حَتَّى تُتْلِفَكُمْ وَتُهْلِكَكُمْ.

﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أَيْ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ يَحْصِبُكُمْ، وَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْكُمْ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أَيْ: كَيْفَ يَأْتِيكُمْ مَا أَنْذَرَتْكُمْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْكُتُبُ، فَلَا تَحْسَبُوا أَنَّ أَمْنَكُمْ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُعَاقِبَكُمْ بِعِقَابٍ مِنَ الْأَرْضِ وَمِنَ السَّمَاءِ يَنْفَعُكُمْ، فَسَتَجِدُونَ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ، سَوَاءٌ طَالَ عَلَيْكُمُ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ، فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، كَذَّبُوا كَمَا كَذَّبْتُمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْظُرُوا كَيْفَ إِنْكَارُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، عَاجَلَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قَبْلَ عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ، فَاحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ.

الملك · ١٦–١٨
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٰٓفَّٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحْمَٰنُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۭ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾

وَهَذَا عِتَابٌ وَحَثٌّ عَلَى النَّظَرِ إِلَى حَالَةِ الطَّيْرِ الَّتِي سَخَّرَهَا اللَّهُ، وَسَخَّرَ لَهَا الْجَوَّ وَالْهَوَاءَ، تَصُفُّ فِيهِ أَجْنِحَتَهَا لِلطَّيَرَانِ، وَتَقْبِضُهَا لِلْوُقُوعِ، فَتَظَلُّ سَابِحَةً فِي الْجَوِّ، مُتَرَدِّدَةً فِيهِ بِحَسَبِ إِرَادَتِهَا وَحَاجَتِهَا.

﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ فَإِنَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَهُنَّ الْجَوَّ، وَجَعَلَ أَجْسَادَهُنَّ وَخِلْقَتَهُنَّ فِي حَالَةٍ مُسْتَعِدَّةٍ لِلطَّيَرَانِ، فَمَنْ نَظَرَ فِي حَالَةِ الطَّيْرِ وَاعْتَبَرَ فِيهَا، دَلَّتْهُ عَلَى قُدْرَةِ الْبَارِي، وَعِنَايَتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِعِبَادِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.

الملك · ١٩
أَمَّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ إِنِ ٱلْكَٰفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ ﴿٢٠﴾ أَمَّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُۥ بَل لَّجُّوا۟ فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴿٢١﴾

يَقُولُ تَعَالَى لِلْعُتَاةِ النَّافِرِينَ عَنْ أَمْرِهِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْحَقِّ: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أَيْ: يَنْصُرُكُمْ إِذَا أَرَادَ بِكُمُ الرَّحْمَنُ سُوءًا، فَيَدْفَعُهُ عَنْكُمْ؟ أَيْ: مَنِ الَّذِي يَنْصُرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ غَيْرُ الرَّحْمَنِ؟ فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاصِرُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْخَلْقِ، لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى نَصْرِ عَبْدٍ، لَمْ يَنْفَعُوهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، عَلَى أَيِّ عَدُوٍّ كَانَ، فَاسْتِمْرَارُ الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ، بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَنْصُرُهُمْ أَحَدٌ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ، غُرُورٌ وَسَفَهٌ.

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أَيِ: الرِّزْقُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلَوْ أَمْسَكَ عَنْكُمْ رِزْقَهُ، فَمَنِ الَّذِي يُرْسِلُهُ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى رِزْقِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ فَالرَّزَّاقُ الْمُنْعِمُ، الَّذِي لَا يُصِيبُ الْعِبَادَ نِعْمَةٌ إِلَّا مِنْهُ، هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ، وَلَكِنِ الْكَافِرُونَ ﴿لَجُّوا﴾ أَيِ: اسْتَمَرُّوا ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أَيْ: قَسْوَةٍ وَعَدَمِ لِينٍ لِلْحَقِّ ﴿وَنُفُورٍ﴾ أَيْ: شُرُودٍ عَنِ الْحَقِّ.

الملك · ٢٠–٢١
أَفَمَن يَمْشِى مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِۦٓ أَهْدَىٰٓ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾

أَيْ: أَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَهْدَى؟ مَنْ كَانَ تَائِهًا فِي الضَّلَالِ، غَارِقًا فِي الْكُفْرِ قَدِ انْتَكَسَ قَلْبُهُ، فَصَارَ الْحَقُّ عِنْدَهُ بَاطِلًا وَالْبَاطِلُ حَقًّا؟ وَمَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَقِّ، مُؤْثِرًا لَهُ، عَامِلًا بِهِ، يَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ؟ فَبِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَى حَالِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَالْمُهْتَدِي مِنَ الضَّالِّ مِنْهُمَا، وَالْأَحْوَالُ أَكْبَرُ شَاهِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ.

الملك · ٢٢
قُلْ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٦﴾

يَقُولُ تَعَالَى - مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَدَاعِيًا عِبَادَهُ إِلَى شُكْرِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ-: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ أَيْ: أَوْجَدَكُمْ مِنَ الْعَدَمِ، مِنْ غَيْرِ مُعَاوِنٍ لَهُ وَلَا مُظَاهِرٍ، وَلَمَّا أَنْشَأَكُمْ، كَمَّلَ لَكُمُ الْوُجُودَ بِالسَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ، الَّتِي هِيَ أَنْفَعُ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ وَأَكْمَلُ الْقُوَى الْجِسْمَانِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا الْإِنْعَامِ ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ، قَلِيلٌ مِنْكُمُ الشَّاكِرُ، وَقَلِيلٌ مِنْكُمُ الشُّكْرُ.

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: بَثَّكُمْ فِي أَقْطَارِهَا، وَأَسْكَنَكُمْ فِي أَرْجَائِهَا، وَأَمَرَكُمْ، وَنَهَاكُمْ، وَأَسْدَى عَلَيْكُمْ مِنَ النِّعَمِ، مَا بِهِ تَنْتَفِعُونَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَحْشُرُكُمْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْوَعْدَ بِالْجَزَاءِ، يُنْكِرُهُ هَؤُلَاءِ الْمُعَانِدُونَ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ تَكْذِيبًا:

﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ جَعَلُوا عَلَامَةَ صِدْقِهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا بِوَقْتِ مَجِيئِهِ، وَهَذَا ظُلْمٌ وَعِنَادٌ فَإِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ لَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ صِدْقِ هَذَا الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْإِخْبَارِ بِوَقْتِهِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يُعْرَفُ بِأَدِلَّتِهِ، وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّتِهِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ أَدْنَى شَكٍّ لِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.

الملك · ٢٣–٢٦
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيٓـَٔتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ﴿٢٩﴾ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍۭ ﴿٣٠﴾

يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ تَكْذِيبِ الْكُفَّارِ وَغُرُورِهِمْ بِهِ حِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وَرَأَوُا الْعَذَابَ مِنْهُمْ ﴿زُلْفَةً﴾ أَيْ: قَرِيبًا، سَاءَهُمْ ذَلِكَ وَأَفْظَعَهُمْ، وَقَلْقَلَ أَفْئِدَتَهُمْ، فَتَغَيَّرَتْ لِذَلِكَ وُجُوهُهُمْ، وَوُبِّخُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ، وَقِيلَ لَهُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، فَالْيَوْمَ رَأَيْتُمُوهُ عِيَانًا، وَانْجَلَى لَكُمُ الْأَمْرُ، وَتَقَطَّعَتْ بِكُمُ الْأَسْبَابُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُبَاشَرَةُ الْعَذَابِ.

وَلَمَّا كَانَ الْمُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ، الَّذِينَ يَرُدُّونَ دَعْوَتَهُ، يَنْتَظِرُونَ هَلَاكَهُ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: أَنْتُمْ وَإِنْ حَصَلَتْ لَكُمْ أَمَانِيُّكُمْ وَأَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَكُمْ شَيْئًا، لِأَنَّكُمْ كَفَرْتُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاسْتَحْقَقْتُمُ الْعَذَابَ، فَمَنْ يُجِيرُكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قَدْ تَحَتَّمَ وُقُوعُهُ بِكُمْ؟ فَإِذًا، تَعَبُكُمْ وَحِرْصُكُمْ عَلَى هَلَاكِي غَيْرُ مُفِيدٍ، وَلَا مُجْدٍ عَنْكُمْ شَيْئًا.

وَمِنْ قَوْلِهِمْ، إِنَّهُمْ عَلَى هُدًى، وَالرَّسُولَ عَلَى ضَلَالٍ، أَعَادُوا فِي ذَلِكَ وَأَبْدَوْا، وَجَادَلُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلُوا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ أَتْبَاعِهِ، مَا بِهِ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ هُدَاهُمْ وَتَقْوَاهُمْ، وَهُوَ أَنْ يَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وَالْإِيمَانُ يَشْمَلُ التَّصْدِيقَ الْبَاطِنَ، وَالْأَعْمَالَ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ، وَلَمَّا كَانَتِ الْأَعْمَالُ، وُجُودُهَا وَكَمَالُهَا، مُتَوَقِّفَةً عَلَى التَّوَكُّلِ، خَصَّ اللَّهُ التَّوَكُّلَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ، وَمِنْ جُمْلَةِ لَوَازِمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَ الرَّسُولِ وَحَالَ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي تَتَعَيَّنُ لِلْفَلَاحِ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا السَّعَادَةُ، وَحَالَةُ أَعْدَائِهِ بِضِدِّهَا، فَلَا إِيمَانَ لَهُمْ وَلَا تَوَكُّلَ، عُلِمَ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ عَلَى هُدًى، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ انْفِرَادِهِ بِالنِّعَمِ، خُصُوصًا بِالْمَاءِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَقَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أَيْ: غَائِرًا ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ تَشْرَبُونَ مِنْهُ، وَتَسْقُونَ أَنْعَامَكُمْ وَأَشْجَارَكُمْ وَزُرُوعَكُمْ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

تَمَّتْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

الملك · ٢٧–٣٠