1. السور
  2. سورة القلم

سورة القلم

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› الملكالحاقة ‹
نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿١﴾ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿٣﴾ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿٤﴾ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴿٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿٧﴾

يُقْسِمُ تَعَالَى بِالْقَلَمِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ شَامِلٌ لِلْأَقْلَامِ، الَّتِي تُكْتَبُ بِهَا أَنْوَاعُ الْعُلُومِ، وَيُسْطَرُ بِهَا الْمَنْثُورُ وَالْمَنْظُومُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلَمَ وَمَا يَسْطُرُونَ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ، مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِهَا، عَلَى بَرَاءَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ مِنَ الْجُنُونِ فَنَفَى عَنْهُ الْجُنُونَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ وَإِحْسَانِهِ، حَيْثُ مَنَّ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ الْكَامِلِ، وَالرَّأْيِ الْجَزْلِ، وَالْكَلَامِ الْفَصْلِ، الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَسَطَّرَهُ الْأَنَامُ، وَهَذَا هُوَ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ ذَكَرَ سَعَادَتَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾. أَيْ: عَظِيمًا، كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ، ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هُوَ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، وَذَلِكَ لِمَا أَسْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْكَامِلَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: عَالِيًا بِهِ، مُسْتَعْلِيًا بِخُلُقِكَ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِهِ، وَحَاصِلُ خُلُقِهِ الْعَظِيمِ، مَا فَسَّرَتْهُ بِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- لِمَنْ سَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى اتِّصَافِهِ ﷺ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْآيَاتِ الْحَاثَّاتِ عَلَى الْخُلُقِ الْعَظِيمِ فَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَكْمَلُهَا وَأَجَلُّهَا، وَهُوَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْهَا، فِي الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، فَكَانَ ﷺ سَهْلًا لَيِّنًا، قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، مُجِيبًا لِدَعْوَةِ مَنْ دَعَاهُ، قَاضِيًا لِحَاجَةِ مَنِ اسْتَقْضَاهُ، جَابِرًا لِقَلْبِ مَنْ سَأَلَهُ، لَا يَحْرِمُهُ، وَلَا يَرُدُّهُ خَائِبًا، وَإِذَا أَرَادَ أَصْحَابُهُ مِنْهُ أَمْرًا وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ، وَتَابَعَهُمْ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ، وَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِهِ دُونَهُمْ، بَلْ يُشَاوِرُهُمْ وَيُؤَامِرُهُمْ، وَكَانَ يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَعْفُو عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَاشِرُ جَلِيسًا لَهُ إِلَّا أَتَمَّ عِشْرَةٍ وَأَحْسَنَهَا، فَكَانَ لَا يَعْبِسُ فِي وَجْهِهِ، وَلَا يُغْلِظُ عَلَيْهِ فِي مَقَالِهِ، وَلَا يَطْوِي عَنْهُ بِشْرَهُ، وَلَا يُمْسِكُ عَلَيْهِ فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ جَفْوَةٍ، بَلْ يُحْسِنُ إِلَى عَشِيرِهِ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، وَيَحْتَمِلُهُ غَايَةَ الِاحْتِمَالِ ﷺ.

فَلَمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي أَعْلَى الْمَنَازِلِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَكَانَ أَعْدَاؤُهُ يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ مَفْتُونٌ قَالَ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَهْدَى النَّاسِ، وَأَكْمَلُهُمْ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَهُ أَضَلُّ النَّاسِ، وَشَرُّ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَتَنُوا عِبَادَ اللَّهِ، وَأَضَلُّوهُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، وَكَفَى بِعِلْمِ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُحَاسِبُ الْمُجَازِي.

وَ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وَهَذَا فِيهِ تَهْدِيدٌ لِلضَّالِّينَ، وَوَعْدٌ لِلْمُهْتَدِينَ، وَبَيَانٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ، حَيْثُ كَانَ يَهْدِي مَنْ يَصْلُحُ لِلْهِدَايَةِ، دُونَ غَيْرِهِ.

القلم · ١–٧
فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿٨﴾ وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿٩﴾ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ﴿١٣﴾ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿١٤﴾ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٥﴾ سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴿١٦﴾

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَعَانَدُوا الْحَقَّ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِأَنْ يُطَاعُوا، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمُرُونَ إِلَّا بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْبَاطِلَ، فَالْمُطِيعُ لَهُمْ مُقْدِمٌ عَلَى مَا يَضُرُّهُ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُكَذِّبٍ، وَفِي كُلِّ طَاعَةٍ نَاشِئَةٍ عَنِ التَّكْذِيبِ، وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أَنْ يَسْكُتَ عَنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَيَسْكُتُوا عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَدُّوا﴾ أَيِ: الْمُشْرِكُونَ ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ أَيْ: تُوَافِقُهُمْ عَلَى بَعْضِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، إِمَّا بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوْ بِالسُّكُوتِ عَمَّا يَتَعَيَّنُ الْكَلَامُ فِيهِ، ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ وَلَكِنِ اصْدَعْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَظْهِرْ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ تَمَامَ إِظْهَارِهِ، بِنَقْضِ مَا يُضَادُّهُ، وَعَيْبِ مَا يُنَاقِضُهُ. ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ أَيْ: كَثِيرِ الْحَلِفِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ كَذَّابٌ، وَلَا يَكُونُ كَذَّابًا إِلَّا وَهُوَ ﴿مُهِينٌ﴾ أَيْ: خَسِيسُ النَّفْسِ، نَاقِصُ الْهِمَّةِ، لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ فِي الْخَيْرِ، بَلْ إِرَادَتُهُ فِي شَهَوَاتِ نَفْسِهِ الْخَسِيسَةِ.

﴿هَمَّازٍ﴾ أَيْ: كَثِيرِ الْعَيْبِ لِلنَّاسِ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ بِالْغِيبَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أَيْ: يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وَهِيَ: نَقْلُ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضٍ، لِقَصْدِ الْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ، وَإِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ.

﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهِ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ عَلَى الْخَلْقِ فِي ظُلْمِهِمْ، فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ ﴿أَثِيمٍ﴾ أَيْ: كَثِيرِ الْإِثْمِ وَالذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَلِيظٍ شَرِسِ الْخُلُقِ قَاسٍ غَيْرِ مُنْقَادٍ لِلْحَقِّ ﴿زَنِيمٍ﴾ أَيْ: دَعِيٍّ، لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَ لَا مَادَّةٌ يَنْتُجُ مِنْهَا الْخَيْرُ، بَلْ أَخْلَاقُهُ أَقْبَحُ الْأَخْلَاقِ، وَلَا يُرْجَى مِنْهُ فَلَاحٌ، لَهُ زَنَمَةٌ أَيْ: عَلَامَةٌ فِي الشَّرِّ، يُعْرَفُ بِهَا.

وَحَاصِلُ هَذَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنْ طَاعَةِ كُلِّ حَلَّافٍ كَذَّابٍ، خَسِيسِ النَّفْسِ، سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ، خُصُوصًا الْأَخْلَاقَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْحَقِّ وَعَلَى الْخَلْقِ، وَالِاحْتِقَارِ لِلنَّاسِ، كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالطَّعْنِ فِيهِمْ، وَكَثْرَةِ الْمَعَاصِي.

وَهَذِهِ الْآيَاتُ - وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ، كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أَيْ: لِأَجْلِ كَثْرَةِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ، طَغَى وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْحَقِّ، وَدَفَعَهُ حِينَ جَاءَهُ، وَجَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، الَّتِي يُمْكِنُ صِدْقُهَا وَكَذِبُهَا- فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَوَّلُ الْأُمَّةِ وَآخِرُهُمْ، وَرُبَّمَا نَزَلَ بَعْضُ الْآيَاتِ فِي سَبَبٍ أَوْ فِي شَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ، لِتَتَّضِحَ بِهِ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ، وَيُعْرَفَ بِهِ أَمْثَالُ الْجُزْئِيَّاتِ الدَّاخِلَةِ فِي الْقَضَايَا الْعَامَّةِ.

﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى مَنْ جَرَى مِنْهُ مَا وَصَفَ اللَّهُ، بِأَنَّ اللَّهَ سَيَسِمُهُ عَلَى خُرْطُومِهِ فِي الْعَذَابِ، وَلَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا ظَاهِرًا، يَكُونُ عَلَيْهِ سِمَةً وَعَلَامَةً، فِي أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَجْهُهُ.

القلم · ٨–١٦
إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰرِمِينَ ﴿٢٢﴾ فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَٰفَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَٰدِرِينَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَٰوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾

إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ يَقُولُ تَعَالَ: إِنَّا بَلَوْنَا هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْخَيْرِ وَأَمْهَلْنَاهُمْ، وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِمَا شِئْنَا مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ، وَطُولِ عُمُرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، لَا لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَاغْتِرَارُهُمْ بِذَلِكَ نَظِيرُ اغْتِرَارِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، الَّذِينَ هُمْ فِيهَا شُرَكَاءُ، حِينَ زَهَتْ ثِمَارُهَا أَيْنَعَتْ أَشْجَارُهَا، وَآنَ وَقْتُ صِرَامِهَا، وَجَزَمُوا أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَطَوْعِ أَمْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَانِعٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْهَا، وَلِهَذَا أَقْسَمُوا وَحَلَفُوا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، أَنَّهُمْ سَيَصْرِمُونَهَا أَيْ: يَجُذُّونَهَا مُصْبِحِينَ، وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ اللَّهَ بِالْمِرْصَادِ، وَأَنَّ الْعَذَابَ سَيَخْلُفُهُمْ عَلَيْهَا، وَيُبَادِرُهُمْ إِلَيْهَا.

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أَيْ: عَذَابٌ نَزَلَ عَلَيْهَا لَيْلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ فَأَبَادَهَا وَأَتْلَفَهَا ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أَيْ: كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ذَهَبَتِ الْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ، هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِهَذَا الْوَاقِعِ الْمُلِمِّ، وَلِهَذَا تَنَادَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ، لَمَّا أَصْبَحُوا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا﴾ قَاصِدِينَ لَهُ ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَكِنْ بِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أَيْ: بَكَّرُوا قَبْلَ انْتِشَارِ النَّاسِ، وَتَوَاصَوْا مَعَ ذَلِكَ، بِمَنْعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِمْ وَبُخْلِهِمْ، أَنَّهُمْ يَتَخَافَتُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ مُخَافَتَةً، خَوْفًا أَنْ يَسْمَعَهُمْ أَحَدٌ، فَيُخْبِرَ الْفُقَرَاءَ. ﴿وَغَدَوْا﴾ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الشَّنِيعَةِ، وَالْقَسْوَةِ، وَعَدَمِ الرَّحْمَةِ ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أَيْ: عَلَى إِمْسَاكٍ وَمَنْعٍ لِحَقِّ اللَّهِ، جَازِمِينَ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهَا.

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ كَالصَّرِيمِ ﴿قَالُوا﴾ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالِانْزِعَاجِ. ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أَيْ: تَائِهُونَ عَنْهَا، لَعَلَّهَا غَيْرُهَا، فَلَمَّا تَحَقَّقُوهَا، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ قَالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ مِنْهَا، فَعَرَفُوا حِينَئِذٍ أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، فَـ ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أَيْ: أَعْدَلُهُمْ، وَأَحْسَنُهُمْ طَرِيقَةً ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أَيْ: تُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ، ظَنُّكُمْ أَنَّ قُدْرَتَكُمْ مُسْتَقِلَّةٌ، فَلَوْلَا اسْتَثْنَيْتُمْ فَقُلْتُمْ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَجَعَلْتُمْ مَشِيئَتَكُمْ تَابِعَةً لِمَشِيئَتِةِ اللَّهِ، لَمَا جَرَى عَلَيْكُمْ مَا جَرَى، فَقَالُوا ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أَيِ: اسْتَدْرَكُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ بَعْدَ مَا وَقَعَ الْعَذَابُ عَلَى جَنَّتِهِمْ، الَّذِي لَا يُرْفَعُ، وَلَكِنْ لَعَلَّ تَسْبِيحَهُمْ هَذَا، وَإِقْرَارَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ، يَنْفَعُهُمْ فِي تَخْفِيفِ الْإِثْمِ وَيَكُونُ تَوْبَةً، وَلِهَذَا نَدِمُوا نَدَامَةً عَظِيمَةً. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ فِيمَا أَجْرَوْهُ وَفَعَلُوهُ،

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أَيْ: مُتَجَاوِزِينَ لِلْحَدِّ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَحَقِّ عِبَادِهِ. ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ فَهُمْ رَجَوُا اللَّهَ أَنْ يُبْدِلَهُمْ خَيْرًا مِنْهَا، وَوَعَدُوا أَنَّهُمْ سَيَرْغَبُونَ إِلَى اللَّهِ، وَيُلِحُّونَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانُوا كَمَا قَالُوا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ أَبْدَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنْهَا لِأَنَّ مَنْ دَعَا اللَّهَ صَادِقًا، وَرَغِبَ إِلَيْهِ وَرَجَاهُ، أَعْطَاهُ سُؤْلَهُ.

قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا مَا وَقَعَ: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أَيِ: الدُّنْيَوِيُّ لِمَنْ أَتَى بِأَسْبَابِ الْعَذَابِ أَنْ يَسْلُبَ اللَّهُ الْعَبْدَ الشَّيْءَ الَّذِي طَغَى بِهِ وَبَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَأَنْ يُزِيلَهُ عَنْهُ، أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ.

﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ، أَوْجَبَ لَهُ الِانْزِجَارَ عَنْ كُلِّ سَبَبٍ يُوجِبُ الْعَذَابَ وَيُحِلُّ الْعِقَابَ.

القلم · ١٧–٣٣
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٣٤﴾ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٣٥﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٦﴾ أَمْ لَكُمْ كِتَٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿٣٧﴾ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴿٣٨﴾ أَمْ لَكُمْ أَيْمَٰنٌ عَلَيْنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴿٣٩﴾ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ﴿٤٠﴾ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ ﴿٤١﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّهُ لِلْمُتَّقِينَ لِلْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ وَالْعَيْشِ السَّلِيمِ فِي جِوَارِ أَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالَى لَا تَقْتَضِي أَنْ يَجْعَلَ الْمُسْلِمِينَ الْقَانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، الْمُنْقَادِينَ لِأَوَامِرِهِ، الْمُتَّبِعِينَ لِمَرَاضِيهِ كَالْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ أَوْضَعُوا فِي مَعَاصِيهِ، وَالْكُفْرِ بِآيَاتِهِ، وَمُعَانَدَةِ رُسُلِهِ، وَمُحَارَبَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَأَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُسَوِّيهِمْ فِي الثَّوَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَسَاءَ الْحُكْمَ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمٌ بَاطِلٌ، وَرَأْيَهُ فَاسِدٌ، وَأَنَّ الْمُجْرِمِينَ إِذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ، لَا كِتَابٌ فِيهِ يَدْرُسُونَ وَيَتْلُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا طَلَبُوا وَتَخَيَّرُوا.

وَلَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ وَيَمِينٌ بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّ لَهُمْ مَا يَحْكُمُونَ، وَلَيْسَ لَهُمْ شُرَكَاءُ وَأَعْوَانٌ عَلَى إِدْرَاكِ مَا طَلَبُوا، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شُرَكَاءُ وَأَعْوَانٌ فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُنْتَفٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَلَا لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي النَّجَاةِ، وَلَا لَهُمْ شُرَكَاءُ يُعِينُونَهُمْ، فَعُلِمَ أَنَّ دَعْوَاهُمْ بَاطِلَةٌ فَاسِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أَيْ: أَيُّهُمُ الْكَفِيلُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصَدُّرُ بِهَا، وَلَا الزَّعَامَةُ فِيهَا..

القلم · ٣٤–٤١
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٤٢﴾ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ ﴿٤٣﴾

أَيْ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَانْكَشَفَ فِيهِ مِنَ الْقَلَاقِلِ وَالزَّلَازِلِ وَالْأَهْوَالِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَهْمِ، وَأَتَى الْبَارِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَمُجَازَاتِهِمْ فَكَشَفَ عَنْ سَاقِهِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ، وَرَأَى الْخَلَائِقُ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ لِلَّهِ، فَيَسْجُدُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَيَذْهَبُ الْفُجَّارُ الْمُنَافِقُونَ لِيَسْجُدُوا فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى السُّجُودِ، وَتَكُونُ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ الِانْحِنَاءَ، وَهَذَا الْجَزَاءُ مَا جِنْسِ عَمَلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُدْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا إِلَى السُّجُودِ لِلَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَهُمْ سَالِمُونَ، لَا عِلَّةَ فِيهِمْ، فَيَسْتَكْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ وَيَأْبَوْنَ، فَلَا تَسْأَلْ يَوْمَئِذٍ عَنْ حَالِهِمْ وَسُوءِ مَآلِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَخِطَ عَلَيْهِمْ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهُمْ، وَلَمْ تَنْفَعْهُمُ النَّدَامَةُ وَلَا الِاعْتِذَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفِي هَذَا مَا يُزْعِجُ الْقُلُوبَ عَنِ الْمُقَامِ عَلَى الْمَعَاصِي، وَ يُوجِبُ التَّدَارُكَ مُدَّةَ الْإِمْكَانِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:

القلم · ٤٢–٤٣
فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴿٤٥﴾ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴿٤٦﴾ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤٧﴾ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾ لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴿٤٩﴾ فَٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٥٠﴾ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ﴿٥٢﴾

أَيْ: دَعْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَإِنَّ عَلَيَّ جَزَاءَهُمْ، وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، فَـ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَنُمِدُّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَنُمِدُّهُمْ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْأَعْمَالِ، لِيَغْتَرُّوا وَيَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا يَضُرُّهُمْ، فَإِنَّ وَهَذَا مِنْ كَيْدِ اللَّهِ لَهُمْ، وَكَيْدُ اللَّهِ لِأَعْدَائِهِ، مَتِينٌ قَوِيٌّ، يَبْلُغُ مِنْ ضَرَرِهِمْ وَعَذَابِهِمْ فَوْقَ كُلِّ مَبْلَغٍ.

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِنُفُورِهِمْ عَنْكَ، وَعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ لِمَا جِئْتَ بِهِ، سَبَبٌ يُوجِبُ لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ تُعَلِّمُهُمْ، وَتَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، لِمَحْضِ مَصْلَحَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَطْلُبَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَغْرَمًا يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ.

﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْغُيُوبِ، وَقَدْ وَجَدُوا فِيهَا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، وَأَنَّ لَهُمُ الثَّوَابَ عِنْدَ اللَّهِ، فَهَذَا أَمْرٌ مَا كَانَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَالُهُمْ حَالَ مُعَانِدٍ ظَالِمٍ. فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّبْرُ لِأَذَاهُمْ، وَالتَّحَمُّلُ لِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى دَعْوَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أَيْ: لِمَا حَكَمَ بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا، فَالْحُكْمُ الْقَدَرِيُّ، يُصْبَرُ عَلَى الْمُؤْذِي مِنْهُ، وَلَا يُتَلَقَّى بِالسَّخَطِ وَالْجَزَعِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، يُقَابَلُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالِانْقِيَادِ التَّامِّ لِأَمْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْ: وَلَا تُشَابِهْهُ فِي الْحَالِ، الَّتِي أَوْصَلَتْهُ، وَأَوْجَبَتْ لَهُ الِانْحِبَاسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَهُوَ عَدَمُ صَبْرِهِ عَلَى قَوْمِهِ الصَّبْرَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ، وَذَهَابُهُ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، حَتَّى رَكِبَ فِي الْبَحْرِ، فَاقْتَرَعَ أَهْلُ السَّفِينَةِ حِينَ ثَقُلَتْ بِأَهْلِهَا أَيَّهُمْ يُلْقُونَ لِكَيْ تَخِفَّ بِهِمْ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ وَقَوْلُهُ ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أَيْ: وَهُوَ فِي بَطْنِهَا قَدْ كَظَمَتْ عَلَيْهِ، أَوْ نَادَى وَهُوَ مُغْتَمٌّ مُهْتَمٌّ بِأَنْ قَالَ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَقَذَفَتْهُ الْحُوتُ مِنْ بَطْنِهَا بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَلِهَذَا قَالَ هُنَا: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ أَيْ: لَطُرِحَ فِي الْعَرَاءِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَغَمَّدَهُ بِرَحْمَتِهِ فَنُبِذَ وَهُوَ مَمْدُوحٌ، وَصَارَتْ حَالُهُ أَحْسَنَ مِنْ حَالِهِ الْأُولَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ وَنَقَّاهُ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ،. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ صَلَحَتْ أَعْمَالُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ وَنِيَّاتُهُمْ، وَأَحْوَالُهُمْ فَامْتَثَلَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، أَمْرَ رَبِّهِ، فَصَبَرَ لِحُكْمِ رَبِّهِ صَبْرًا لَا يُدْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ.

فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْعَاقِبَةَ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَلَمْ يُدْرِكْ أَعْدَاؤُهُ فِيهِ إِلَّا مَا يَسُوءُهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ حَرَصُوا عَلَى أَنْ يُزْلِقُوهُ بِأَبْصَارِهِمْ أَيْ: يُصِيبُوهُ بِأَعْيُنِهِمْ، مِنْ حَسَدِهِمْ وَغَيْظِهِمْ وَحَنَقِهِمْ، هَذَا مُنْتَهَى مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى الْفِعْلِيِّ، وَاللَّهُ حَافِظُهُ وَنَاصِرُهُ، وَأَمَّا الْأَذَى الْقَوْلِيُّ، فَيَقُولُونَ فِيهِ أَقْوَالًا بِحَسَبِ مَا تُوحِي إِلَيْهِمْ قُلُوبُهُمْ، فَيَقُولُونَ تَارَةً "مَجْنُونٌ" وَتَارَةً "سَاحِرٌ" وَتَارَةً "شَاعِرٌ".

قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: وَمَا هَذَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، يَتَذَكَّرُونَ بِهِ مَصَالِحَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

القلم · ٤٤–٥٢