1. السور
  2. سورة المزمل

سورة المزمل

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

› الجنالمدثر ‹
يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾ إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴿٧﴾ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴿٨﴾ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴿٩﴾ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿١٠﴾ وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُو۟لِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴿١١﴾

الْمُزَّمِّلُ: الْمُتَغَطِّي بِثِيَابِهِ كَالْمُدَّثِّرِ، وَهَذَا الْوَصْفُ حَصَلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِإِنْزَالِ وَحْيِهِ بِإِرْسَالِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، فَرَأَى أَمْرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّبَاتِ لَهُ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ، فَاعْتَرَاهُ فِي ابْتِدَاءِ ذَلِكَ انْزِعَاجٌ حِينَ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَتَى إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: " زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " وَهُوَ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: " اقْرَأْ " فَقَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ " فَغَطَّهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدَ، وَهُوَ يُعَالِجُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَرَأَ ﷺ، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّبَاتَ، وَتَابَعَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ، حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغًا مَا بَلَغَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.

فَسُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَعْظَمَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ ابْتِدَاءِ نُبُوَّتِهِ وَنِهَايَتِهَا، وَلِهَذَا خَاطَبَهُ اللَّهُ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ.

فَأَمَرَهُ هُنَا بِالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذِيَّةِ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّدْعِ بِأَمْرِهِ، وَإِعْلَانِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ، فَأَمَرَهُ هُنَا بِأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَبِآكَدِ الْأَوْقَاتِ وَأَفْضَلِهَا، وَهُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى، أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، بَلْ قَالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ثُمَّ قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ أَيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلًا﴾ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ وَنَحْوَهُ.

﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: عَلَى النِّصْفِ، فَيَكُونَ الثُّلُثَيْنِ وَنَحْوَهَا. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فَإِنَّ تَرْتِيلَ الْقُرْآنِ بِهِ يَحْصُلُ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، وَتَحْرِيكُ الْقُلُوبِ بِهِ، وَالتَّعَبُّدُ بِآيَاتِهِ، وَالتَّهَيُّؤُ وَالِاسْتِعْدَادُ التَّامُّ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أَيْ: نُوحِي إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ الثَّقِيلَ، أَيِ: الْعَظِيمَةَ مَعَانِيهِ، الْجَلِيلَةَ أَوْصَافُهُ، وَمَا كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ، حَقِيقٌ أَنْ يُتَهَيَّأَ لَهُ، وَيُرَتَّلَ، وَيُتَفَكَّرَ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْحِكْمَةَ فِي أَمْرِهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أَيِ: الصَّلَاةَ فِيهِ بَعْدَ النَّوْمِ ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْقُرْآنِ، يَتَوَاطَأُ عَلَى الْقُرْآنِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَتَقِلُّ الشَّوَاغِلُ، وَيَفْهَمُ مَا يَقُولُ، وَيَسْتَقِيمُ لَهُ أَمْرُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ هَذَا الْمَقْصُودُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أَيْ: تَرَدُّدًا عَلَى حَوَائِجِكَ وَمَعَاشِكَ، يُوجِبُ اشْتِغَالَ الْقَلْبِ وَعَدَمَ تَفَرُّغِهِ التَّفَرُّغَ التَّامَّ.

﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ شَامِلٌ لِأَنْوَاعِ الذِّكْرِ كُلِّهَا ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أَيِ: انْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ إِلَى اللَّهِ وَالْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، هُوَ الِانْفِصَالُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْخَلَائِقِ، وَالِاتِّصَافُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وَكُلِّ مَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ، وَيُدْنِي مِنْ رِضَاهُ.

﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ وَهَذَا اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ كُلَّهَا، فَهُوَ تَعَالَى رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْأَنْوَارِ، وَمَا هِيَ مَصْلَحَةٌ لَهُ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَمُدَبِّرُهُ.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا وَجْهُهُ الْأَعْلَى، الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخَصَّ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْإِجْلَالِ وَالتَّكْرِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أَيْ: حَافِظًا وَمُدَبِّرًا لِأُمُورِكَ كُلِّهَا.

فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ خُصُوصًا، وَبِالذِّكْرِ عُمُومًا، وَذَلِكَ يُحَصِّلُ لِلْعَبْدِ مَلَكَةً قَوِيَّةً فِي تَحَمُّلِ الْأَثْقَالِ، وَفِعْلِ الثَّقِيلِ مِنَ الْأَعْمَالِ، أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُ فِيهِ الْمُعَانِدُونَ لَهُ وَيَسُبُّونَهُ وَيَسُبُّونَ مَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْ يَمْضِيَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَصُدُّهُ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّهُ رَادٌّ، وَأَنْ يَهْجُرَهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا وَهُوَ الْهَجْرُ حَيْثُ اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ الْهَجْرَ الَّذِي لَا أَذِيَّةَ فِيهِ، فَيُقَابِلُهُمْ بِالْهَجْرِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَعَنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي تُؤْذِيهِ، وَأَمَرَهُ بِجِدَالِهِمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيِ: اتْرُكْنِي وَإِيَّاهُمْ، فَسَأَنْتَقِمُ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَمْهَلْتُهُمْ فَلَا أُهْمِلُهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أَيْ: أَصْحَابِ النَّعْمَةِ وَالْغِنَى، الَّذِينَ طَغَوْا حِينَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ، وَأَمَدَّهُمْ مِنْ فَضْلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِقَابِ، فَقَالَ:

المزمل · ١–١١
إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالًا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ﴿١٤﴾

أَيْ: إِنَّ عِنْدَنَا ﴿أَنْكَالًا﴾ أَيْ: عَذَابًا شَدِيدًا، جَعَلْنَاهُ تَنْكِيلًا لِلَّذِي لَا يَزَالُ مُسْتَمِرًّا عَلَى الذُّنُوبِ. ﴿وَجَحِيمًا﴾ أَيْ: نَارًا حَامِيَةً ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ وَذَلِكَ لِمَرَارَتِهِ وَبَشَاعَتِهِ، وَكَرَاهَةِ طَعْمِهِ وَرِيحِهِ الْخَبِيثِ الْمُنْتِنِ، ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَيْ: مُوجِعًا مُفْظِعًا، وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ مِنَ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ﴾ الرَّاسِيَاتُ الصُّمُّ الصِّلَابُ ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الرَّمْلِ الْمُنْهَالِ الْمُنْتَثِرِ، ثُمَّ إِنَّهَا تُبَسُّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَكُونُ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ.

المزمل · ١٢–١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿١٥﴾ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَٰهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴿١٦﴾

يَقُولُ تَعَالَى: احْمَدُوا رَبَّكُمْ عَلَى إِرْسَالِ هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، الشَّاهِدِ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَاشْكُرُوهُ وَقُومُوا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكْفُرُوهَا، فَتَعْصُوا رَسُولَكُمْ، فَتَكُونُوا كَفِرْعَوْنَ حِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، فَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، بَلْ عَصَاهُ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذًا وَبِيلًا أَيْ: شَدِيدًا بَلِيغًا.

المزمل · ١٥–١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيبًا ﴿١٧﴾ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌۢ بِهِۦ كَانَ وَعْدُهُۥ مَفْعُولًا ﴿١٨﴾

أَيْ: فَكَيْفَ يَحْصُلُ لَكُمُ الْفَكَاكُ وَالنَّجَاةُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْيَوْمِ الْمَهِيلِ أَمْرُهُ، الْعَظِيمِ قَدْرُهُ، الَّذِي يُشِيبُ الْوِلْدَانَ، وَتَذُوبُ لَهُ الْجَمَادَاتُ الْعِظَامُ، فَتَتَفَطَّرُ بِهِ السَّمَاءُ وَتَنْتَثِرُ بِهِ نُجُومُهَا ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، وَلَا حَائِلَ دُونَهُ.

المزمل · ١٧–١٨
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ﴿١٩﴾

أَيْ: إِنَّ هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ الَّتِي نَبَّأَ اللَّهُ بِهَا مِنْ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ، تَذْكِرَةٌ يَتَذَكَّرُ بِهَا الْمُتَّقُونَ، وَيَنْزَجِرُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا مُوصِلًا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ شَرْعِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَبَانَهُ كُلَّ الْبَيَانِ، وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْدَرَ الْعِبَادَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَمَكَّنَهُمْ مِنْهَا، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْجَبْرِيَّةُ: إِنَّ أَفْعَالَهُمْ تَقَعُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ.

المزمل · ١٩
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ ﴿٢٠﴾

ذَكَرَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهُ أَمَرَ رَسُولَهُ بِقِيَامِ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ ثُلُثَيْهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ أُمَّتَهُ أُسْوَةٌ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

وَلَمَّا كَانَ تَحْرِيرُ الْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَشَقَّةً عَلَى النَّاسِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ سَهَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ غَايَةَ التَّسْهِيلِ فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ مَقَادِيرَهُمَا وَمَا يَمْضِي مِنْهُمَا وَيَبْقَى.

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أَيْ: لَنْ تَعْرِفُوا مِقْدَارَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، لِكَوْنِ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِبَاهًا وَعَنَاءً زَائِدًا أَيْ: فَخَفَّفَ عَنْكُمْ، وَأَمَرَكُمْ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْكُمْ، سَوَاءٌ زَادَ عَلَى الْمُقَدَّرِ أَوْ نَقَصَ، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أَيْ: مِمَّا تَعْرِفُونَ وَمِمَّا لَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ مَا دَامَ نَشِيطًا، فَإِذَا فَتَرَ أَوْ كَسِلَ أَوْ نَعَسَ، فَلْيَسْتَرِحْ، لِيَأْتِيَ الصَّلَاةَ بِطُمَأْنِينَةٍ وَرَاحَةٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الْأَسْبَابِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ، فَقَالَ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ، فَلْيُصَلِّ الْمَرِيضُ الْمُتَسَهِّلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ أَيْضًا مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ قَائِمًا عِنْدَ مَشَقَّةِ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ شَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ، فَلَهُ تَرْكُهَا وَلَهُ أَجْرُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَلِمَ أَنَّ مِنْكُمْ مُسَافِرِينَ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، لِيَسْتَغْنُوا عَنِ الْخَلْقِ، وَيَتَكَفَّفُوا عَنِ النَّاسِ أَيْ: فَالْمُسَافِرُ، حَالُهُ تُنَاسِبُ التَّخْفِيفَ، وَلِهَذَا خُفِّفَ عَنْهُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، فَأُبِيحَ لَهُ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ.

وَكَذَلِكَ ﴿آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَذَكَرَ تَعَالَى تَخْفِيفَيْنِ، تَخْفِيفًا لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ، يُرَاعِي فِيهِ نَشَاطُهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلَّفَ عَلَيْهِ تَحْرِيرَ الْوَقْتِ، بَلْ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ الْفَاضِلَةَ، وَهِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ بَعْدَ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ.

وَتَخْفِيفًا لِلْمَرِيضِ أَوِ الْمُسَافِرِ، سَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهُ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ لِعِبَادَةٍ، مِنْ قِتَالٍ أَوْ جِهَادٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَيْضًا يُرَاعِي مَا لَا يُكَلِّفُهُ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ، الَّذِي مَا جَعَلَ عَلَى الْأُمَّةِ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، بَلْ سَهَّلَ شَرْعَهُ، وَرَاعَى أَحْوَالَ عِبَادِهِ وَمَصَالِحَ دِينِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

ثُمَّ أَمَرَ الْعِبَادَ بِعِبَادَتَيْنِ، هُمَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَعِمَادُهَا: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، الَّتِي لَا يَسْتَقِيمُ الدِّينُ إِلَّا بِهَا، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ بُرْهَانُ الْإِيمَانِ، وَبِهَا تَحْصُلُ الْمُوَاسَاةُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلِهَذَا قَالَ:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بِأَرْكَانِهَا، وَشُرُوطِهَا، وَمُكَمِّلَاتِهَا، ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أَيْ: خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ، مِنْ نِيَّةٍ صَادِقَةٍ، وَتَثْبِيتٍ مِنَ النَّفْسِ، وَمَالٍ طَيِّبٍ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا، الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ؟ وَالْمُسْتَحَبَّةُ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى عُمُومِ الْخَيْرِ وَأَفْعَالِهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، يُقَابِلُهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا، وَمَا عَلَيْهَا فِي دَارِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، مِنَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ وَالْبِرَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، مَادَّةُ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَبَذْرُهُ وَأَصْلُهُ وَأَسَاسُهُ، فَوَاأَسَفَاهُ عَلَى أَوْقَاتٍ مَضَتْ فِي الْغَفَلَاتِ، وَوَاحَسْرَتَاهُ عَلَى أَزْمَانٍ تَقَضَّتْ بِغَيْرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَوَاغَوْثَاهُ مِنْ قُلُوبٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا وَعْظُ بَارِئِهَا، وَلَمْ يَنْجَعْ فِيهَا تَشْوِيقُ مَنْ هُوَ أَرْحَمُ بِهَا مِنْهَا.

فَلَكَ اللَّهُمَّ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَفِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْحَثِّ عَلَى أَفْعَالِ الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، فَائِدَةٌ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ مَا يَخْلُو مِنَ التَّقْصِيرِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ، إِمَّا أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَصْلًا أَوْ يَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ نَاقِصٍ، فَأُمِرَ بِتَرْقِيعِ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُذْنِبُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَمَتَى لَمْ يَتَغَمَّدْهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَإِنَّهُ هَالِكٌ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ.

المزمل · ٢٠