1. السور
  2. سورة المدثر

سورة المدثر

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ﴿٧﴾

تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُزَّمِّلَ وَالْمُدَّثِّرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ، بِالِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ الْقَاصِرَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، فَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الْأَمْرُ لَهُ بِالْعِبَادَاتِ الْفَاضِلَةِ الْقَاصِرَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ هُنَا بِإِعْلَانِ الدَّعْوَةِ، وَالصَّدْعِ بِالْإِنْذَارِ، فَقَالَ: ﴿قُمِ﴾ أَيْ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ ﴿فَأَنْذِرْ﴾ النَّاسَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ، وَبَيَانِ حَالِ الْمُنْذَرِ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِتَرْكِهِ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَاجْعَلْ قَصْدَكَ فِي إِنْذَارِكَ وَجْهَ اللَّهِ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُ الْعِبَادُ وَيَقُومُوا بِعِبَادَتِهِ.

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ، أَعْمَالُهُ كُلُّهَا، وَبِتَطْهِيرِهَا تَخْلِيصُهَا وَالنُّصْحُ بِهَا، وَإِيقَاعُهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَتَنْقِيَتُهَا عَنِ الْمُبْطِلَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ، وَالْمُنَقِّصَاتِ مِنْ شَرٍّ وَرِيَاءٍ، وَنِفَاقٍ، وَعُجْبٍ، وَتَكَبُّرٍ، وَغَفْلَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْمَرُ الْعَبْدُ بِاجْتِنَابِهِ فِي عِبَادَاتِهِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَطْهِيرُ الثِّيَابِ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّطْهِيرِ لِلْأَعْمَالِ خُصُوصًا فِي الصَّلَاةِ، الَّتِي قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ، الثِّيَابُ الْمَعْرُوفَةُ، وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَطْهِيرِهَا عَنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ، فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، خُصُوصًا فِي الدُّخُولِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا كَانَ مَأْمُورًا بِتَطْهِيرِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ مِنْ تَمَامِ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ.

﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجْزِ الْأَصْنَامُ وَالْأَوْثَانُ، الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ بِتَرْكِهَا، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهَا وَمِمَّا نُسِبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجْزِ أَعْمَالُ الشَّرِّ كُلُّهَا وَأَقْوَالُهُ، فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الشِّرْكُ وَمَا دُونَهُ.

﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أَيْ: لَا تَمْنُنْ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَتَتَكَثَّرَ بِتِلْكَ الْمِنَّةِ، وَتَرَى لَكَ الْفَضْلَ عَلَيْهِمْ بِإِحْسَانِكَ الْمِنَّةَ، بَلْ أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ مَهْمَا أَمْكَنَكَ، وَانْسَ عِنْدَهُمْ إِحْسَانَكَ، وَلَا تَطْلُبْ أَجْرَهُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْعَلْ مَنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى هَذَا، لَا تُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ يُكَافِئَكَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَيَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ.

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: احْتَسِبْ بِصَبْرِكَ، وَاقْصِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَامْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ، فَأَنْذَرَ النَّاسَ، وَأَوْضَحَ لَهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ جَمِيعَ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَعَظَّمَ اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا الْخَلْقَ إِلَى تَعْظِيمِهِ، وَطَهَّرَ أَعْمَالَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَهَجَرَ كُلَّ مَا يُبْعِدُ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَأَهْلِهَا، وَالشَّرِّ وَأَهْلِهِ، وَلَهُ الْمِنَّةُ عَلَى النَّاسِ -بَعْدَ مِنَّةِ اللَّهِ- مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، وَصَبَرَ لِلَّهِ أَكْمَلَ صَبْرٍ، فَصَبَرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَعَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ الْمُؤْلِمَةِ، حَتَّى فَاقَ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

المدثر · ١–٧
فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾

أَيْ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، وَجُمِعَ الْخَلْقُ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.

﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ لِكَثْرَةِ أَهْوَالِهِ وَشَدَائِدِهِ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ. وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَسِيرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.

المدثر · ٨–١٠
ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّآ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔايَٰتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُۥ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَٰنًا وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ﴿٣١﴾

هَذِهِ الْآيَاتُ، نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، مُعَانِدِ الْحَقِّ، وَالْمُبَارِزِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُشَاقَّةِ، فَذَمَّهُ اللَّهُ ذَمًّا لَمْ يَذُمَّهُ غَيْرَهُ، وَهَذَا جَزَاءُ كُلِّ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ وَنَابَذَهُ، أَنَّ لَهُ الْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى، فَقَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَلَقْتُهُ مُنْفَرِدًا، بِلَا مَالٍ وَلَا أَهْلٍ، وَلَا غَيْرِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَمِّيهِ وَأُرَبِّيهِ، ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: كَثِيرًا ﴿وَ﴾ جَعَلْتُ لَهُ ﴿بَنِينَ﴾ أَيْ: ذُكُورًا ﴿شُهُودًا﴾ أَيْ: دَائِمًا حَاضِرِينَ عِنْدَهُ، عَلَى الدَّوَامِ يَتَمَتَّعُ بِهِمْ، وَيَقْضِي بِهِمْ حَوَائِجَهُ، وَيَسْتَنْصِرُ بِهِمْ.

﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا، حَتَّى انْقَادَتْ لَهُ مَطَالِبُهُ، وَحَصَلَ عَلَى مَا يَشْتَهِي وَيُرِيدُ، ﴿ثُمَّ﴾ مَعَ هَذِهِ النِّعَمِ وَالْإِمْدَادَاتِ ﴿يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أَيْ: يَطْمَعُ أَنْ يَنَالَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ كَمَا نَالَ نَعِيمَ الدُّنْيَا. ﴿كَلَّا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا طَمِعَ، بَلْ هُوَ بِخِلَافِ مَقْصُودِهِ وَمَطْلُوبِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﴿كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، عَرَفَهَا ثُمَّ أَنْكَرَهَا، وَدَعَتْهُ إِلَى الْحَقِّ فَلَمْ يَنْقَدْ لَهَا وَلَمْ يَكْفِهِ أَنَّهُ أَعْرَضَ وَتَوَلَّى عَنْهَا، بَلْ جَعَلَ يُحَارِبُهَا وَيَسْعَى فِي إِبْطَالِهَا، وَلِهَذَا قَالَ عَنْهُ:

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أَيْ: فِي نَفْسِهِ ﴿وَقَدَّرَ﴾ مَا فَكَّرَ فِيهِ، لِيَقُولَ قَوْلًا يُبْطِلُ بِهِ الْقُرْآنَ.

﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَمْرًا لَيْسَ فِي طَوْرِهِ، وَتَسَوَّرَ عَلَى مَا لَا يَنَالُهُ هُوَ وَ لَا أَمْثَالُهُ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ مَا يَقُولُ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ فِي وَجْهِهِ، وَظَاهِرِهِ نُفْرَةً عَنِ الْحَقِّ وَبُغْضًا لَهُ، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ نَتِيجَةُ سَعْيِهِ الْفِكْرِيِّ وَالْعَمَلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ أَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: مَا هَذَا كَلَامَ اللَّهِ، بَلْ كَلَامُ الْبَشَرِ، وَلَيْسَ أَيْضًا كَلَامَ الْبَشَرِ الْأَخْيَارِ، بَلْ كَلَامُ الْفُجَّارِ مِنْهُمْ وَالْأَشْرَارِ، مِنْ كُلِّ كَاذِبٍ سَحَّارٍ.

فَتَبًّا لَهُ، مَا أَبْعَدَهُ مِنَ الصَّوَابِ، وَأَحْرَاهُ بِالْخَسَارَةِ وَالتَّبَابِ!!

كَيْفَ يَدُورُ فِي الْأَذْهَانِ، أَوْ يَتَصَوَّرُهُ ضَمِيرُ كُلِّ إِنْسَانٍ، أَنْ يَكُونَ أَعْلَى الْكَلَامِ وَأَعْظَمُهُ، كَلَامُ الرَّبِّ الْعَظِيمِ، الْمَاجِدِ الْكَرِيمِ، يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ الْفُقَرَاءِ النَّاقِصِينَ؟!

أَمْ كَيْفَ يَتَجَرَّأُ هَذَا الْكَاذِبُ الْعَنِيدُ، عَلَى وَصْفِهِ كَلَامَ الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ.

فَمَا حَقُّهُ إِلَّا الْعَذَابُ الشَّدِيدُ وَالنَّكَالُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:

﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ أَيْ: لَا تُبْقِي مِنَ الشِّدَّةِ، وَلَا عَلَى الْمُعَذَّبِ شَيْئًا إِلَّا وَبَلَغَتْهُ. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: تَلُوحُهُمْ وَتُصْلِيهِمْ فِي عَذَابِهَا، وَتُقْلِقُهُمْ بِشِدَّةِ حَرِّهَا وَقُرِّهَا.

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، خَزَنَةٌ لَهَا، غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ وَذَلِكَ لِشِدَّتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: إِلَّا لِعَذَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلِزِيَادَةِ نَكَالِهِمْ فِيهَا، وَالْعَذَابُ يُسَمَّى فِتْنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّا مَا أَخْبَرْنَاكُمْ بِعِدَّتِهِمْ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُصَدِّقُ وَمَنْ يُكَذِّبُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ، إِذَا وَافَقَ مَا عِنْدَهُمْ وَطَابَقَهُ، ازْدَادَ يَقِينُهُمْ بِالْحَقِّ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً، فَآمَنُوا بِهَا وَصَدَّقُوا، ازْدَادَ إِيمَانُهُمْ، ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: لِيَزُولَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وَالشَّكُّ، وَهَذِهِ مَقَاصِدُ جَلِيلَةٌ، يَعْتَنِي بِهَا أُولُو الْأَلْبَابِ، وَهِيَ السَّعْيُ فِي الْيَقِينِ، وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ، وَدَفْعُ الشُّكُوكِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِّ، فَجَعَلَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَصِّلًا لِهَذِهِ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، وَمُمَيِّزًا لِلْكَاذِبِينَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ وَشُبْهَةٌ وَنِفَاقٌ. ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ، وَالْكُفْرِ مِنْهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهَذَا وَذَاكَ مِنْ هِدَايَةِ اللَّهِ لِمَنْ يَهْدِيهِ، وَإِضْلَالِهِ لِمَنْ يُضِلُّ وَلِهَذَا قَالَ:

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ، جَعَلَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ رَحْمَةً فِي حَقِّهِ، وَزِيَادَةً فِي إِيمَانِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ أَضَلَّهُ، جَعَلَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ زِيَادَةَ شَقَاءٍ عَلَيْهِ وَحَيْرَةً، وَظُلْمَةً فِي حَقِّهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ بِالتَّسْلِيمِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ ﴿إِلَّا هُوَ﴾ فَإِذَا كُنْتُمْ جَاهِلِينَ بِجُنُودِهِ، وَأَخْبَرَكُمْ بِهَا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوا خَبَرَهُ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ، ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: وَمَا هَذِهِ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكَارُ مَقْصُودًا بِهِ الْعَبَثُ وَاللَّعِبُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهِ الْبَشَرُ مَا يَنْفَعُهُمْ فَيَفْعَلُونَهُ، وَمَا يَضُرُّهُمْ فَيَتْرُكُونَهُ.

المدثر · ١١–٣١
كَلَّا وَٱلْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ﴿٣٥﴾ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ ﴿٣٦﴾ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴿٣٧﴾ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّآ أَصْحَٰبَ ٱلْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِى جَنَّٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ ﴿٤٧﴾ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ﴿٤٨﴾ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ ﴿٥١﴾ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ﴿٥٢﴾ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾

﴿كَلَّا﴾ هُنَا بِمَعْنَى: حَقًّا، أَوْ بِمَعْنَى ﴿أَلَا﴾ الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ، فَأَقْسَمَ تَعَالَى بِالْقَمَرِ، وَبِاللَّيْلِ وَقْتَ إِدْبَارِهِ، وَالنَّهَارِ وَقْتَ إِسْفَارِهِ، لِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى آيَاتِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَسَعَةِ سُطَانِهِ، وَعُمُومِ رَحْمَتِهِ، وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا﴾ أَيِ النَّارَ ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيْ: لَإِحْدَى الْعَظَائِمِ الطَّامَّةِ وَالْأُمُورِ الْهَامَّةِ، فَإِذَا أَعْلَمْنَاكُمْ بِهَا، وَكُنْتُمْ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهَا، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ، فَيَعْمَلَ بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، وَيُدْنِيهِ مِنْ رِضَاهُ، وَيُزْلِفُهُ مِنْ دَارِ كَرَامَتِهِ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَمَّا خُلِقَ لَهُ وَ عَمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، فَيَعْمَلَ بِالْمَعَاصِي، وَيَتَقَرَّبَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الْآيَةَ.

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ مِنْ أَعْمَالِ السُّوءِ وَأَفْعَالِ الشَّرِّ ﴿رَهِينَةٌ﴾ بِهَا مُوثَقَةٌ بِسَعْيِهَا، قَدْ أُلْزِمَ عُنُقَهَا، وَغُلَّ فِي رَقَبَتِهَا، وَاسْتَوْجَبَتْ بِهِ الْعَذَابَ، ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرْتَهَنُوا، بَلْ أُطْلِقُوا وَفَرِحُوا ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾

أَيْ: فِي جَنَّاتٍ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ بِهَا جَمِيعُ مَطْلُوبَاتِهِمْ، وَتَمَّتْ لَهُمُ الرَّاحَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، حَتَّى أَقْبَلُوا يَتَسَاءَلُونَ، فَأَفْضَتْ بِهِمُ الْمُحَادَثَةُ، أَنْ سَأَلُوا عَنِ الْمُجْرِمِينَ، أَيَّ: حَالٍ وَصَلُوا إِلَيْهَا، وَهَلْ وَجَدُوا مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: " هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِمْ " فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ يُعَذَّبُونَ، فَقَالُوا لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَدْخَلَكُمْ فِيهَا؟ وَبِأَيِّ: ذَنْبٍ اسْتَحْقَقْتُمُوهَا؟ فَـ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ فَلَا إِخْلَاصَ لِلْمَعْبُودِ، وَلَا إِحْسَانَ وَلَا نَفْعَ لِلْخَلْقِ الْمُحْتَاجِينَ.

﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَخُوضُ بِالْبَاطِلِ، وَنُجَادِلُ بِهِ الْحَقَّ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ هَذَا آثَارُ الْخَوْضِ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ التَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ، وَمِنْ أَحَقِّ الْحَقِّ، يَوْمُ الدِّينِ، الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَظُهُورِ مُلْكِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ الْعَدْلِ لِسَائِرِ الْخَلْقِ.

فَاسْتَمَرَّيْنَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ أَيِ: الْمَوْتُ، فَلَمَّا مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ تَعَذَّرَتْ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمُ الْحِيَلُ، وَانْسَدَّ فِي وُجُوهِهِمْ بَابُ الْأَمَلِ. ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، وَهَؤُلَاءِ لَا يَرْضَى اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ. فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ مَآلَ الْمُخَالِفِينَ، وَرَهَّبَ مِمَّا يُفْعَلُ بِهِمْ، عَطَفَ عَلَى الْمَوْجُودِينَ بِالْعِتَابِ وَاللَّوْمِ، فَقَالَ: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: صَادِّينَ غَافِلِينَ عَنْهَا. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ فِي نُفْرَتِهِمُ الشَّدِيدَةِ مِنْهَا ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ حُمُرُ وَحْشٍ نَفَرَتْ فَنَفَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَزَادَ عَدْوُهَا، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ صَائِدٍ وَرَامٍ يُرِيدُهَا، أَوْ مِنْ أَسَدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ النُّفُورِ عَنِ الْحَقِّ، وَمَعَ هَذَا الْإِعْرَاضِ وَهَذَا النُّفُورِ، يَدَّعُونَ الدَّعَاوَى الْكِبَارَ.

فَـ ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ نَازِلَةً عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَنْقَادُ لِلْحَقِّ إِلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ كَذَبُوا، فَإِنَّهُمْ لَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، فَإِنَّهُمْ جَاءَتْهُمُ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ الَّتِي تُبَيِّنُ الْحَقَّ وَتُوَضِّحُهُ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَآمَنُوا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَلَّا﴾ أَنْ نُعْطِيَهُمْ مَا طَلَبُوا، وَهُمْ مَا قَصَدُوا بِذَلِكَ إِلَّا التَّعْجِيزَ، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ فَلَوْ كَانُوا يَخَافُونَهَا لَمَا جَرَى مِنْهُمْ مَا جَرَى.

﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ الضَّمِيرُ إِمَّا أَنْ يَعُودَ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ، أَوْ عَلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ لِأَنَّهُ قَدْ بُيِّنَ لَهُ السَّبِيلُ، وَوُضِّحَ لَهُ الدَّلِيلُ.

﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ نَافِذَةٌ عَامَّةٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا حَادِثٌ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، الَّذِينَ لَا يُدْخِلُونَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةٌ، وَلَا فِعْلٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ، فَأَثْبَتَ تَعَالَى لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً حَقِيقَةً وَفِعْلًا وَجَعَلَ ذَلِكَ تَابِعًا لِمَشِيئَتِهِ، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُتَّقَى وَيُعْبَدَ، لِأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، وَأَهْلٌ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنِ اتَّقَاهُ وَاتَّبَعَ رِضَاهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

المدثر · ٣٢–٥٦