1. السور
  2. سورة المطففين

سورة المطففين

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿٦﴾

﴿وَيْلٌ﴾ كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَوَعِيدٍ ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾

وَفَسَّرَ اللَّهُ الْمُطَفِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: أَخَذُوا مِنْهُمْ وَفَاءً عَمَّا ثَبَتَ لَهُمْ قِبَلَهُمْ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ يَسْتَوْفُونَهُ كَامِلًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ.

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أَيْ: إِذَا أَعْطَوُا النَّاسَ حَقَّهُمْ، الَّذِي لِلنَّاسِ عَلَيْهِمْ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أَيْ: يَنْقُصُونَهُمْ ذَلِكَ، إِمَّا بِمِكْيَالٍ وَمِيزَانٍ نَاقِصَيْنِ، أَوْ بِعَدَمِ مِلْءِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا سَرِقَةٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَعَدَمُ إِنْصَافٍ لَهُمْ مِنْهُمْ.

وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَعِيدُ عَلَى الَّذِينَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ بِالْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، فَالَّذِي يَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ قَهْرًا أَوْ سَرِقَةً، أَوْلَى بِهَذَا الْوَعِيدِ مِنَ الْمُطَفِّفِينَ.

وَدَلَّتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يَأْخُذُ مِنَ النَّاسِ الَّذِي لَهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ كُلَّ مَا لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمُعَامَلَاتِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ هَذَا الْحُجَجُ وَالْمَقَالَاتُ، فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمُتَنَاظِرَيْنِ قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْرِصُ عَلَى مَالَهُ مِنَ الْحُجَجِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُبَيِّنَ مَا لِخَصْمِهِ مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي أَدِلَّةِ خَصْمِهِ كَمَا يَنْظُرُ فِي أَدِلَّتِهِ هُوَ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُعْرَفُ إِنْصَافُ الْإِنْسَانِ مِنْ تَعَصُّبِهِ وَاعْتِسَافِهِ، وَتَوَاضُعُهُ مِنْ كِبْرِهِ، وَعَقْلُهُ مِنْ سَفَهِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِكُلِّ خَيْرٍ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُطَفِّفِينَ، وَتَعَجَّبَ مِنْ حَالِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَالَّذِي جَرَّأَهُمْ عَلَى التَّطْفِيفِ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَإِلَّا فَلَوْ آمَنُوا بِهِ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، يُحَاسِبُهُمْ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَأَقْلَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَتَابُوا مِنْهُ.

المطففين · ١–٦
كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ ﴿٧﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌ ﴿٨﴾ كِتَٰبٌ مَّرْقُومٌ ﴿٩﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٠﴾ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿١١﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ ﴿١٦﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿١٧﴾

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ وَهَذَا شَامِلٌ لِكُلِّ فَاجِرٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَرَةِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْفَاسِقِينَ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أَيْ: كِتَابٌ مَذْكُورٌ فِيهِ أَعْمَالُهُمُ الْخَبِيثَةُ، وَالسِّجِّينُ: الْمَحَلُّ الضَّيِّقُ الضَّنْكُ، وَ ﴿سِجِّينٌ﴾ ضِدُّ ﴿عِلِّيِّينَ﴾ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ كِتَابِ الْأَبْرَارِ، كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿سِجِّينَ﴾ هُوَ أَسْفَلُ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، مَأْوَى الْفُجَّارِ وَمُسْتَقَرُّهُمْ فِي مَعَادِهِمْ.

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الْمُكَذِّبِينَ بِأَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أَيْ: يَوْمِ الْجَزَاءِ، يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ فِيهِ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ.

﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ عَلَى مَحَارِمِ اللَّهِ، مُتَعَدٍّ مِنَ الْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ.

﴿أَثِيمٍ﴾ أَيْ كَثِيرِ الْإِثْمِ، فَهَذَا الَّذِي يَحْمِلُهُ عُدْوَانُهُ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَيَحْمِلُهُ عُدْوَانُهُ عَلَى التَّكْذِيبِ وَيُوجِبُ لَهُ كِبْرُهُ رَدَّ الْحَقِّ، وَلِهَذَا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ الدَّالَّةُ عَلَى الْحَقِّ، وَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، كَذَّبَهَا وَعَانَدَهَا، وَ ﴿قَالَ﴾ هَذِهِ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ تُرَّهَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ الْغَابِرِينَ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَكَبُّرًا وَعِنَادًا.

وَأَمَّا مَنْ أَنْصَفَ، وَكَانَ مَقْصُودُهُ الْحَقَّ الْمُبِينَ، فَإِنَّهُ لَا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ، مَا يَجْعَلُهُ حَقَّ الْيَقِينِ، وَصَارَ لِقُلُوبِهِمْ مِثْلَ الشَّمْسِ لِلْأَبْصَارِ، بِخِلَافِ مَنْ رَانَ عَلَى قَلْبِهِ كَسْبُهُ، وَغَطَّتْهُ مَعَاصِيهِ، فَإِنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ حُجِبَ عَنِ اللَّهِ، كَمَا حُجِبَ قَلْبُهُ فِي الدُّنْيَا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ مَعَ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ ﴿لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا: هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَذَكَرَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ: عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَعَذَابَ التَّوْبِيخِ، وَاللَّوْمِ.

وَعَذَابَ الْحِجَابِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمُتَضَمِّنَ لِسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَدَلَّ مَفْهُومُ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الْجَنَّةِ، وَيَتَلَذَّذُونَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ أَعْظَمَ مِنْ سَائِرِ اللَّذَّاتِ، وَيَبْتَهِجُونَ بِخِطَابِهِ، وَيَفْرَحُونَ بِقُرْبِهِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَوَاتَرَ فِيهِ النَّقْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ، التَّحْذِيرُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهَا تَرِينُ عَلَى الْقَلْبِ وَتُغَطِّيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَنْطَمِسَ نُورُهُ، وَتَمُوتَ بَصِيرَتُهُ، فَتَنْقَلِبَ عَلَيْهِ الْحَقَائِقُ، فَيَرَى الْبَاطِلَ حَقًّا، وَالْحَقَّ بَاطِلًا وَهَذَا مِنْ بَعْضِ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ.

المطففين · ٧–١٧
كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ﴿١٨﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿١٩﴾ كِتَٰبٌ مَّرْقُومٌ ﴿٢٠﴾ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴿٢١﴾ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴿٢٣﴾ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ﴿٢٤﴾ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ﴿٢٥﴾ خِتَٰمُهُۥ مِسْكٌ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَٰفِسُونَ ﴿٢٦﴾

لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ فِي أَسْفَلِ الْأَمْكِنَةِ وَأَضْيَقِهَا، ذَكَرَ أَنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ فِي أَعْلَاهَا وَأَوْسَعِهَا، وَأَفْسَحِهَا وَأَنَّ كِتَابَهُمُ الْمَرْقُومَ ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، وَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، وَيُنَوِّهُ اللَّهُ بِذِكْرِهِمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَ ﴿عِلِّيُّونَ﴾ اسْمٌ لِأَعْلَى الْجَنَّةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ كِتَابَهُمْ، ذَكَرَ أَنَّهُمْ فِي نَعِيمٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِنَعِيمِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالْبَدَنِ، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أَيْ: عَلَى السُّرُرِ الْمُزَيَّنَةِ بِالْفُرُشِ الْحِسَانِ.

﴿يَنْظُرُونَ﴾ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِمُ الْكَرِيمِ، ﴿تَعْرِفُ﴾ أَيُّهَا النَّاظِرُ إِلَيْهِمْ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: بَهَاءَ النَّعِيمِ وَنَضَارَتَهُ وَرَوْنَقَهُ، فَإِنَّ تَوَالِيَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ يُكْسِبُ الْوَجْهَ نُورًا وَحُسْنًا وَبَهْجَةً.

﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَأَلَذِّهَا، ﴿مَخْتُومٍ﴾

ذَلِكَ الشَّرَابُ ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَخْتُومٌ عَنْ أَنْ يُدَاخِلَهُ شَيْءٌ يُنْقِصُ لَذَّتَهُ، أَوْ يُفْسِدُ طَعْمَهُ، وَذَلِكَ الْخِتَامُ، الَّذِي خُتِمَ بِهِ، مِسْكٌ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فِي آخِرِ الْإِنَاءِ، الَّذِي يَشْرَبُونَ مِنْهُ الرَّحِيقَ حُثَالَةً، وَهِيَ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، فَهَذَا الْكَدَرُ مِنْهُ، الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ يُرَاقُ، يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، الَّذِي لَا يَعْلَمُ حُسْنَهُ وَمِقْدَارَهُ إِلَّا اللَّهُ، ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أَيْ: يَتَسَابَقُوا فِي الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهِ، فَهَذَا أَوْلَى مَا بُذِلَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَنْفَاسِ، وَأَحْرَى مَا تَزَاحَمَتْ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ فُحُولُ الرِّجَالِ.

المطففين · ١٨–٢٦
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ ﴿٢٧﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴿٢٨﴾

وَمِزَاجُ هَذَا الشَّرَابِ مِنْ تَسْنِيمٍ، وَهِيَ عَيْنٌ ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ صِرْفًا، وَهِيَ أَعْلَى أَشْرِبَةِ الْجَنَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ خَالِصَةً لِلْمُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى الْخَلْقِ مَنْزِلَةً، وَمَمْزُوجَةً لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أَيْ: مَخْلُوطَةً بِالرَّحِيقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ اللَّذِيذَةِ.

المطففين · ٢٧–٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَٰفِظِينَ ﴿٣٣﴾ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى جَزَاءَ الْمُجْرِمِينَ وَجَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ وَ ذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ، أَخْبَرَ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَسْخَرُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ، وَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ، وَيَتَغَامَزُونَ بِهِمْ عِنْدَ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، احْتِقَارًا لَهُمْ وَازْدِرَاءً، وَمَعَ هَذَا تَرَاهُمْ مُطْمَئِنِّينَ، لَا يَخْطُرُ الْخَوْفُ عَلَى بَالِهِمْ، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أَيْ: مَسْرُورِينَ مُغْتَبِطِينَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الِاغْتِرَارِ، أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ غَايَةِ الْإِسَاءَةِ وَالْأَمْنِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَعَهْدٌ، أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَقَدْ حَكَمُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْهُدَى، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ ضَالُّونَ، افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَتَجَرَّأُوا عَلَى الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أَيْ: وَمَا أُرْسِلُوا وُكَلَاءَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُلْزَمِينَ بِحِفْظِ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَحْرِصُوا عَلَى رَمْيِهِمْ بِالضَّلَالِ، وَمَا هَذَا مِنْهُمْ إِلَّا تَعَنُّتٌ وَعِنَادٌ وَتَلَاعُبٌ، لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ وَلَا بُرْهَانٌ، وَلِهَذَا كَانَ جَزَاؤُهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهُمْ فِي غَمَرَاتِ الْعَذَابِ يَتَقَلَّبُونَ، وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَالْمُؤْمِنُونَ فِي غَايَةِ الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وَهِيَ السُّرُرُ الْمُزَيَّنَةُ، ﴿يُنْظَرُونَ﴾ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِمُ الْكَرِيمِ.

﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: هَلْ جُوزُوا مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ؟

فَكَمَا ضَحِكُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَمَوْهُمْ بِالضَّلَالِ، ضَحِكَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَرَأَوْهُمْ فِي الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، الَّذِي هُوَ عُقُوبَةُ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ.

نَعَمْ، ثُوِّبُوا مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، عَدْلًا مِنَ اللَّهِ وَحِكْمَةً، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

المطففين · ٢٩–٣٦